شركات بلا مكاتب

 

ما أن تسمع كلمة “شركة” حتى يخطر ببالك عقار أو طابق ضمن مبنى. تفتح الباب لتجد على أحد جانبيه جهاز مراقبة الدوام وتسجيل الدخول والخروج وأمامك سكرتيرة الاستقبال. في الداخل قليلاً مكاتب متراصة بجانب بعضها بجدران زجاجية شفافية أو بلاستيكية حتى. وهناك مكتب المدير الذي يشرف على كل شيء وكأنه لا تكفيه كاميرات المراقبة العشرة. هناك قاعة للاجتماعات بطاولة طويلة والكراسي على جانبيها، وبالطبع مطبخ لشرب القهوة والنميمة الصباحية.

هل تخيلت يوماً شركة بلا مكتب؟

Buffer-logo

Buffer

بعد أن أصبح حجم فريق العمل أكثر من 50 موظف، قررت الشركة التخلي عن مكتبها في سان فرانسيسكو والعمل عن بعد تماماً من أي مكان في العالم. والأمر يسير على ما يرام والمنافع أكبر.

كانت الشركة تتكلف أكثر من 7 آلاف دولار إيجار شهري للمكتب الذي لم يتواجد فيه الكثير بشكل متزامن، الآن توفر هذا المبلغ ومن يعيش في سان فرانسيسكو يعمل إما من منزله أو من المقاهي أو من أماكن العمل الجماعي التي تدفع الخدمة لها.

في سان فرانسيسكو يتواجد المدير التنفيذي للشركة الذي يعمل ثلثي يومه من المنزل وفي الباقي من المقهى. مدير العمليات من أي غرفة في منزله. مديرة خدمة العملاء تعمل من مطبخ منزلها.

في واشنطن يعمل المدير التقني ويفضل قضاء معظم أيام الأسبوع في أماكن العمل الجماعي. موظفة خدمة العملاء تعمل من السويد وإن سافرت تأخذ عملها معها. مطور الخدمة back-end يعمل من بريطانيا ويعيش في قارب! .. نعم قارب !. مطور الواجهات front-end يعمل من قارة مختلفة تماماً، من جنوب أفريقيا.

موظف النمو السريع growth hacker يعمل من أقصى الشرق في آسيا وتحديداً في تايوان. هناك موظف خدمة عملاء يعمل من جنوب العالم .. من الأوروغواي. ومدير أحد المنتجات يعمل من باريس. ونعود للشمال إلى كندا حيث يعمل مطور أندرويد.

كما رأيتم، من كل قارات العالم، من عدة دول وحتى ضمن الولايات المتحدة ينتمون لعدة ولايات متباعدة .. لغات مختلفة .. ثقافات متنوعة .. مناطق زمنية متباينة .. لكن لم يؤثر ذلك سلباً على سير العمل بل بالعكس الإنتاجية أعلى كون الموظف يعمل في بيئة مرتاح معها بالملابس التي يرتاح بها وبمحيط فيه أشياء يألفها كحيوانه الأليف أو حاسبه الشخصي أو غرفة نومه.

hsoub-arabic-logo

حسوب

حتى لا يقال بأن الواقع العربي مختلف، هناك مثال حي عن شركة عربية لا مكتب لها وفيها أكثر من 30 موظف وتتعامل مع مئات المستقلين في مشاريع مؤقتة دائماً.

شركة حسوب مقرها في بريطانيا حيث يقيم مديرها التنفيذي. أما باقي الموظفين كالدعم الفني ومدراء المشاريع في الشركة فيعملون من قارات مختلفة.

عبد المهيمن الأغا المدير التنفيذي والقائد الذي يلهم فريقه من النينجا في عدة دول والذي يعمل من بريطانيا حيث مقر تأسيس الشركة.

عمر خرسه مدير العمليات من سوريا ولم يثنيه لهيب الحرب عن التخطيط  والمتابعة لسير المهام في حسوب أما الآن فقد استقر في تركيا.

أما أيهم كنجو مدير تطوير الأعمال، فقد فضل السفر والانتقال لقارة أخرى تمامًا، فالعمل من البرازيل له مذاق آخر كنكهة البن البرازيلية وحيث يقضي أوقات ممتعة في الطبيعة الخلابة والغابات الكثيفة.

مختار الجندي مدير التسويق والذي يفضل الأجواء في صعيد مصر وهو نفس المكان الذي يعمل منه مدير الشبكات الاجتماعية محمود أحمد.

بشرى ريان من المغرب تعمل كمديرة لموقع خمسات، ومع أنها أم لولدين إلا أنها استطاعت بجدارة التوفيق بين أسرتها وعملها عن بعد من المنزل.

خالد حبش المدير التقني الذي يعيش في الأردن لكنه فضل مؤخرًا السفر والعمل بحياة جديدة من كندا.

وهكذا يتوزع بقية فريق العمل الشاب والطموح في حسوب على عدة دول كالسعودية والمغرب ومصر والجزائر.

في بعض أعمال الشركة لاسيما أكاديمية حسوب تعتمد على المستقلين حيث ينجزون مشاريع محدودة بدون أن يوظفوا في الشركة. تستفيد حسوب من منصة العمل الحر مستقل التي تتعاقد من خلالها مع المستقلين للقيام بأعمال متنوعة ككتابة المقالات والترجمة والتصميم وغيرها.

هناك عدد كبير جداً من الشركات التقنية حول العالم التي تعمل بلا مكاتب، Automattic المسؤولة عن تطوير ووردبريس لديها أكثر من 300 موظف حول العالم يعملون من 26 بلد و174 مدينة و36 ولاية أمريكية والكل يعمل من بيته. MySQL لنظم إدارة قواعد البيانات لديها أكثر من 400 موظف يعملون من 40 بلد ومعظمهم يعمل من منزله. Groove بدأت كشركة بلا مكاتب لأن مؤسسها سبق وأن أطلق شركتين بمكاتب ولم يجد أي فائدة من هذا لأن المهم هو الخبرات التي تحويها

 بعض الشركات مثل appendTo لديها مكاتب لكن لا تجبر الموظفين على التواجد والعمل فيها، كذلك Basecamp لديها مكتب لكن موظفيها يعملون من 26 مدينة. منصة GitHub لديها 260 موظف حول العالم. موزيلا لديها 13 مكتب حول العالم لكن موظفيها يعملون من 30 دولة ولا مشكلة لديها أن تعمل من المنزل.

 remote team

مزايا العمل بلا مكتب

لن استغرب أن جاء أحدهم وقال أن هذا الأمر مستحيل تطبيقه على كل الشركات. نعم أن لا أدعو للتخلي عن المكتب كلياً، انما أدعو للتركيز على الجوهر المهم، هل المهم هو الاجتماع معاً في زمان ومكان واحد؟ أم المهم أن يسير العمل بشكل صحيح؟. تعتمد الكثير من الشركات الكبرى خاصة التقنية على العمل مع مستقلين لكن الاعتماد قاصر، لايزال لديها مكاتب وفيها عشرات آلاف الموظفين. اسلوب العمل عن بعد وبلا مكتب يصلح للكثير من الشركات لكن ليس كلها، وهنا يجب أن نفرق جيداً. وأذكر هنا بعض مزايا العمل في الشركات بدون مكاتب.

1- الإنتاجية العالية

عندما يعمل الموظف عن بعد ويكون محفز بشكل ذاتي فإن إنتاجيته تبلغ أضعاف من يأتي للمكتب ويراقب دقات الساعة وجهاز تسجيل الدوام ليضع بصمته ويمضي. عندما يكون العمل أهم من الشكليات كاللباس الرسمي والتقيد بدقائق الدوام، عندما يكون هذا متاحاً فإن الإنتاجية تكون أعلى بالعمل عن بعد.

2- استغلال المناطق الزمنية

في حال كان أعضاء فريق العمل متوزعين حول العالم ينجم لديك تنوع في المناطق الزمنية التي تحكم حياتهم. يمكنك توزيع الأدوار لاستغلال كامل ساعات اليوم وبدون أن تشكل عبئ على أحد. لن تطلب من الموظف أن يعمل في الثالثة فجراً طالما يمكنك إسناد هذه الوظيفة إلى آخر يكون الوقت ظهراً لديه. وإن كان العمل يستند على مبدأ المناقلة بحيث ينجز أحدهم شيء ويسلمه للآخر ليكمله فهذا يسمح لك إنجازه بوقت أسرع.

3- الإستفادة من التقنية

هل فعلاً هناك حاجة لاجتماعات وجهاً لوجه طالما يمكن إنجازها عبر مكالمة سكايب؟ تطويع التقنية في عالم الأعمال اليوم يلقى اهتمام كبير من الشركات. هناك تقريباً خدمات تقنية لتساعد على أي شيء. بدءاً من العصف الذهني واستثارة الأفكار حول خطة التسويق القادمة، مروراً بالتحرير الجماعي لمستند أو عرض تقديمي، وصولاً إلى إدارة المشاريع الكاملة بأدوات تقنية. وكما حلّ الكمبيوتر محل الآلة الكاتبة – الأصح أن نقول برنامج وورد؟ – فإن التوجه المستقبلي سيكون أكثر لاستخدام التقنية في العمل، هذه فرصة لأن تركب الموجة من أولها.

4- جو العمل المريح

في buffer هناك جو عمل خاص لكل موظف، هناك من يريد أن يعمل على السرير، آخر على طاولة، وثالث على الأرض. البعض يسمع موسيقى صاخبة، وغيره هادئة. البعض يعمل من أي مكان طالما يتوفر لديه اتصال سريع بالإنترنت وحاسبه الشخصي، في حين أن البعض يحتاج لترتيبات خاصة كالنباتات الخضراء للإلهام وحيوانه الأليف بجانبه. وفي حسوب فإن أيهم كنجو يعمل بجوار الشلالات في غابات البرازيل.
 الفكرة أن جو العمل في الشركة لن يكون مريحاً ومألوفاً لك وسيحتم عليك التأقلم معه ومع ملابس العمل. أما العمل من المنزل أو من مكان ترتاح فيه كالمقهى أو الحديقة أو أماكن العمل الجماعي تؤثر إيجاباً على جودة عملك فضلاً عن الإنتاجية الأعلى كما ذكرت أعلاه.

5- تكاليف أقل

هذه نقطة حساسة للشركات الناشئة في بداياتها. عندما تأسست buffer كانت تشارك نفس المكتب مع شركة storify قبل أن يستقلو  في مكتب خاص بهم. والتواجد في سان فرانسيسكو مهم للشركات الناشئة لتكون أمام المستثمرين لكن لاحقاً أصبحت الأمر مكلف وبدون جدوى حقيقية منه.

تتكلف buffer شهرياً 7175 دولار لقاء إيجار المكتب، هناك 2577 دولار شهرياً لقاء الحواسيب والمعدات، 1292 دولار شهرياً للاتصال بالإنترنت، 1120 دولار مواد للمكتب وغيرها. طبعاً هذه التكاليف خاصة بسان فرانسيسكو والتي قد تكون عندك أقل بكثير لكن الفكرة التي أريد إيصالها أنها تكاليف بلا طائل ويمكن التخلي عنها – وحصل بالفعل في حالة  buffer – بالتالي زيادة ربحية الشركة.

Comments are closed.