ماذا تعرف عن الاستهلاك الأخلاقي ؟

 

تمهيد

اصبح اليوم اسلوب التصنيع و الانتاج مختلفاً عما كان عليه في السابق ، فالشركات الكبرى لا تصنع منتجاتها ، انما تعهدها الى مصانع متخصصة في دول جنوب شرق اسيا ( تايوان ، الصين ، سينغافورة وغيرها ) وهذا ما يدعى outsourcing

ونتيجة للمنافسة الشديدة تضغط تلك الشركات على المصنعين لخفض تكاليف الانتاج المنخفضة اصلاً ، مما يدعوها لتشغيل العاملين في ظروف غير انسانية و لساعات عمل طويلة جداً مما يدفعهم للانتحار وهذا ما حدث .

فوكسكون و انتحار العمال لأجل هاتفك الايفون

شركة فوكسكون هي أساساً شركة تايوانية تأسست في عام 1974. خلال عقدين من تأسيسها، نمت الشركة بسرعة خيالية لتصبح شركة “معولمة” تملك فروعاً ومراكز في العديد من الدول، ويعمل فيها اليوم أكثر من 800 ألف شخص معظمهم في الصين.

خلال أشهر قليلة في العام الماضي ، أقدم 18 عاملاً من عمال هذه الشركة على الانتحار مستعملين وسائل مختلفة، منها رمي أنفسهم من مبنى الشركة إلى درجة أن إدارة الشركة باشرت في مد شباك حول مباني الشركة لمنع العاملين والعاملات من الانتحار عبر رمي أنفسهم من الطوابق العليا و طلبت من موظفيها توقيع تعهدات بعدم الانتحار .. لكن الحصيلة وفاة 14 شخص .

ونتيجة لنظام التصنيع التعاقدي عبر التعهيد او ما يدعى بالتعاقد من الباطن outsourcing كانت فوكسكون واحدة من هذه الشركات التي تنتج لحساب عشرات العلامات التجارية من أبل (Apple) إلى سوني (Sony) إلى ديل (Dell) وغيرها من العلامات التجارية الكبرى. هذه الشركات الكبرى تركز على ما تعتبره وظائفها الاستراتيجية ذات القيمة المضافة العالية كالتصميم والبحث والتطوير وبناء العلامة التجارية، بينما تترك وظائف التصنيع والتجميع لشركات كفوكسكون.

نصيبها من الجمل .. اذنه

من أهم نتائج هذا النموذج الجديد في العمل كان تحطم الرابط التقليدي بين تصنيع السلعة وخلق القيمة المضافة. فمصنّعو الأجهزة الإلكترونية أو الألبسة أو غيرها من السلع يحتفظون بنسبة قليلة جداً من القيمة المضافة بينما تحتفظ الشركات التي تقوم بالبحث والتطوير أو بتصنيع المكونات ذات التقانة العالية أو مالكة العلامة التجارية، بالجزء الأكبر من القيمة النهائية للسلعة.

وكما يقال في المثل الشعبي أنه حصل من الجمل اذنه فقط فقد درست مجموعة من الباحثين من جامعة كاليفورنيا توزيع القيمة النهائية لجهاز (Ipod) الذي يباع في السوق الأميركية تحت علامة “صنع في الصين”. نتيجة هذه العملية شديدة التعقيد، إن 163 دولاراً من سعر المنتج النهائي (299 دولاراً) تبقى في الولايات المتحدة، وهي حصة الشركة صاحبة العلامة التجارية وحصة بائعي التجزئة، و26 دولاراً تذهب إلى اليابان، وهي حصة بعض موردي المكونات العالية التقانة في الجهاز. أما حصة الصين في قيمة السلعة، كما استخلص الباحثون، فلا تتجاوز بضعة من الدولارات.

وهذا الأمر لا يقتصر على صناعة الإلكترونيات، بل يشمل كل القطاعات الاقتصادية الصناعية والخدمية. ففي قطاع الألبسة، على سبيل المثال، تقوم الشركات الأميركية والأوروبية بالتصميم والبيع وبناء العلامة التجارية، وتحصل جراء ذلك على الجزء الأكبر من قيمة السلعة بينما يتم التصنيع الفعلي في الهند وبنغلادش والباكستان حيث يحصل ملايين العاملين في القطاع على جزء صغير من القيمة.

الاطفال يصنعون ..

في عام 2008، كشف تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) استخدام موردي شركة برايمارك (Primark)، وهي إحدى أكبر شركات الألبسة وأرخصها في بريطانيا، أطفالاً من مخيمات اللاجئين في جنوب الهند لإنتاج الألبسة التي تباع في محال الشركة المنتشرة حول العالم.

سببت هذه الفضيحة في حينها ضجة إعلامية كبرى أجبرت برايمارك على وقف التعامل مع هؤلاء الموردين.

لا تختلف قصة برايمارك كثيراً عن قصة فوكسكون وعن عشرات القصص المماثلة التي تتكشف كل فترة إلى حد أصبحت فيه هذه الفضائح الهاجس الرئيسي لإدارات الشركات العالمية لما تحمله من ضرر لصورة الشركة وحتى لمبيعاتها.

فالشركات الكبرى التي تضغط على مورديها بصورة مستمرة لخفض الكلفة وتهدد بنقل الإنتاج إلى دولة أرخص كلفة، تجد نفسها في الوقت نفسه عرضة للنتائج السلبية الناجمة عن استخدام هؤلاء الموردين كل الأساليب الممكنة للاستجابة لهذه الضغوط.

تقارير ضد الشركة

قامت 20 جامعة في كل من هونغ كونغ و الصين و تايوان بإعداد تقرير من 83 صفحة وفصلت فيه حول ظروف العمل السيئة في الشركة و استندت في تقريرها على اراء 1800 عامل من 12 مصنع للشركة ، حيث ضمنته اثباتات وجود أدلة عن التشغيل لوقت اضافي بشكل غير قانوني ، كما وتعرض التقرير للجوانب الإدارية في الشركة و وصفت إدارة الشركة باللاإنساني و المؤذي الفاسد و الوحشي .
وايضا اعدت منظمة غير ربحية تعمل على رعاية مصالح الطلاب و الخريجين في هونغ كونغ تقريراً حول المعاملة السيئة التي يتعرض لها الموظفين في شركة فوكسكون

ليست فوكسكون الوحيدة

الحقيقة هناك العديد من الشركات حول العالم تحدث فيها حالات مشابهة ، حيث تكررت ايضا في بدايات عام 2008 و حتى نيسان 2010 حالات انتحار في شركة فرانس تيليكوم للإتصالات ، حيث قام خلال تلك الفترة 60 شخص بالانتحار . بعضهم ترك ورائه رسالة و الآخر فضل الرحيل بصمت ، و تسببت موجة الانتحارات في تشرين الاول عام 2009 بأن يوقع المدير التنفيذي Louis-Pierre Wenes وتحت ضغط من إتحاد التجارة على استقالته ليتم استبداله بـStephane Richard وذلك نتيجة الانتحارات المتكررة .

ينتحر في شركة فرانس تيليكوم وسطيا 15 شخص سنوياً وهذا المعدل اعلى من معدلات الانتحار في فرنسا كلها .

تعريف :

الاستهلاك الأخلاقي (Ethical Consumerism) : وهو يعتبر مرادف لمفهوم الاستهلاك الأخضر ولكنه أعم وأكثر شمولاً.

ويعني الشراء المتعمد للمنتجات التي يعتقد المستهلك أنه تم صنعها بطريقة أخلاقية (أقل ضرر ممكن للبيئة – للإنسان – للحيوان ) أي لا تضر بتوازن البيئة الطبيعية .

وتتم ممارسته عن طريق :

-الشراء الإيجابي Positive buying
وتعني تفضيل شراء منتجات ترتبط بمعايير أخلاقية مثل شراء منتجات معاد تصنيعها أو قابلة لإعادة التصنيع.

-المقاطعة (الشراء السلبي) Boycott
وهي تعني الامتناع عن شراء أو التعامل في منتجات يرى المستهلك أنها ترتبط (تدعم) ممارسات غير أخلاقية.وهذا القرار يتم اتخاذه من قبل الفرد عند كل عملية شراء وهو يعكس مدى ارتباطه وإيمانه بمبادئه وأخلاقه.

واجبنا كمستهلكين

تحوّلت المقاطعة إلى سلاح أساسي في يد المستهلك ضد كل ممارسة سياسية أو أخلاقية أو بيئية لا يوافق عليها

أهمية هذا الموضوع هي أن كل فرد منا هو جزء منه. فعندما نشتري أي سلعة، نكون عملياً شركاء في عملية إنتاج السلعة. هذا يفرض علينا كمستهلكين اعتبارات جديدة عندما نتخذ قرارات الشراء.

يعتقد البعض أن المقاطعة غير ممكنة في عالم اليوم، ولكن الحقيقة أنها ممكنة وأن تحويل المقاطعة إلى سلاح أساسي في يد المستهلك ضد كل ممارسة سياسية أو أخلاقية أو بيئية لا يوافق عليها، أمر شديد الضرورة.

السؤال الذي يجب أن يفكر فيه كل منا عند اتخاذ قرارات الشراء: هل أرغب بأن ألبس قميصاً صنعه طفل في الهند شرد من منزله بسبب الحرب وأجبر على العمل في ظروف عبودية جديدة؟ وهل أرغب في أن استمتع بالموسيقى أو مشاهدة الأفلام عبر جهاز يرمي العاملون في صناعته أنفسهم من الطوابق العليا هرباً من ظروف العمل غير الإنسانية أم لا؟ عندما نتخذ قرارات كهذه، لا نعبّر فقط عن موقفنا الشخصي والقيمي، بل نساهم أيضاً بصورة فعالة في معاقبة من يتورط في هذه الممارسات ونمارس حقنا كأفراد (ومستهلكين) في أن نقول أي عالم نريد.

عن محمد حبش

يمكنك متابعة المدونة أيضاً عبر فايس بوك، تويتر، التغذية، و النشرة البريدية

شاهد أيضاً

10 تقنيات قديمة لازال العالم يستخدمها

  10- ويندوز إكس بي: اصدر عام 2001 لكن لازالت حصته السوقية 30%، المشكلة أن …

2 تعليقان

  1. محمد المقالة رهيبة ,وبدل على وعي هائل . بل على مستوى جرائد وصحف عالمية كبرى يمكن لازم تنشرها على صحيفة

  2. بداية مقالة رائعة وغنية جداً .. وليس غريباً عنك ..

    بالنسبة لمقاطعة مثل هذه المنتجات , أظن مهما كان الوعي لهذه العواقب التي تخلفها ضغوط وظروف صناعة تلك المنتجات ولكن لن تصل لدرجة المقاطعة الفعلية التي ستؤثر بشكل أو بآخر على مبيعات الشركة أو حصتها التسويقية ..

    لن أقطع الأمل , وسأقول ربما , ولكن عن نفسي يجب الاعتراف أني لاأفكر إطلاقاً في مثل هذه الأفكار عند اتخاذ قرار الشراء ..

    ربما أعتبر نفسي مقصراً ولكن مرغماً . .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: