لماذا الماء أرخص من الألماس؟

أحد الأشياء التي طالما حيرت الاقتصاديين هي لماذا الماء — الضروري لهذه الدرجة للحياة — رخيص بهذه الدرجة، بينما الألماس — غير الضروري — ثمين لهذه الدرجة.

أجاب كارل منجر عن هذا السؤال. لن يتاح للأفراد مطلقًا خيار امتلاك كل مياه العالم، أو كل ما به من ماس. وهم يواجهون فقط بخيارات امتلاك كمية قليلة من كل منهما؛ لنقل كوب من الماء أو قطعة من الألماس.

أغلب الناس لديهم بالفعل من الماء ما يروي عطشهم، لذا هم لا يولون كوب الماء الإضافي قيمة كبيرة. لكن يندر أن يوجد من الناس مَن يعتقد أنه يملك من الألماس ما يكفي، لذا هم مستعدون لدفع مبالغ باهظة لامتلاك قطعة أخرى منه. هم لا يظنون أنهم سيحصلون على فائدة كبيرة من كوب الماء الإضافي، لكنهم يتخيلون النفع العظيم الذي سيعود عليهم من تملك قطعة ماس إضافية.

الأمر يتعلق بما يسمى « المنفعة الحدية » بمعنى مقدار النفع الذي يتوقع الناس الحصول عليه من أي « إضافة بسيطة » لما لديهم من أشياء.

بطبيعة الحال ستعتمد اختيارات البشر على ظروفهم المحددة. فالشخص الذي يموت من العطش في الصحراء سيولي كوب الماء قيمة كبيرة للغاية، وسيكون مستعدٍّا لمبادلته بكمية هائلة من الألماس. بينما الشخص الذي يعيش في بلد مطير لن يفكر في مثل هذا الأمر. « المنفعة » إذن هي النفع الذي يتوقع الشخص الحصول عليه من سلعة ما، وهي من ثم مسألة حكم شخصي خاص بذلك المكان والزمان المحددين.

فالشخص المصاب بالصداع قد يرحب بقرصين من الأسبرين، لكنه لن ينتفع بمائة قرص إضافي. والشخص الذي يحتاج عشرة ألواح خشبية لإكمال بناء مأوى له قد يبادل معطف المطر مقابل عشرة ألواح أو أكثر، لكنه لن يفعل هذا مقابل تسعة ألواح، لأنها لن تقيه الطقس السيئ.

المنفعة إذن ليست سمة يمكن مراكمتها ومقارنتها بأكوام الطوب، كما تقترح كتب الاقتصاد التقليدية السائدة كثيرًا.

لهذا السبب تعد « منحنيات الحياد » التقليدية مضللة. يُزعم أن هذه المنحنيات تبين مقدار الفائدة التي يكون البشر مستعدين للتضحية بها للحصول على فائدة أخرى. لكن كل التبادلات تعتمد على مشاعر الأطراف المعنية وليست بمعادلات رياضية صريحة تنتج رسومًا بيانية منتظمة، كما يوضحه مثال معطف المطر وألواح الخشب.

لرؤية كيف يتخذ البشر قراراتهم على أرض الواقع، تدبر مثال الأسرة المزارعة التي تملك خمسة بوشلات من الحبوب؛ واحد لإطعام نفسها، وثانٍ لإطعام حيواناتها، وثالث لزراعة المحصول، ورابع لبيعه للحصول على احتياجاتها، وخامس يستخدمونه في إطعام ببغائهم الأليف.

لسوء الحظ، يتعين عليهم التخلي عن أحد بوشلات الحبوب لدفع دين قديم. هل يقللون استهلاكهم للحبوب بمقدار الخمس، كما تقترح الحسابات الرياضية؟

كلا، سيأكلون الحبوب ويطعمون بها حيواناتهم ويزرعونها ويبيعونها كالمعتاد، لكنهم سيتركون الببغاء ليموت جوعًا؛ لأن هذا هو أكثر الاستخدامات « هامشية/حدِّية » في نظرهم.

على أساس « المنفعة الحدية » هذا يختار البشر بين الأفعال المتباينة. فحين يواجه البشر بخيار اقتصادي؛ أي التخلي عن شيء لاكتساب شيء آخر يقدرونه، ما الذي سيفضلون التخلي عنه؟ من البديهي أنهم سيبدءون بأقل الأشياء أهمية في نظرهم؛ الشيء الذي يمنحهم النفع الأقل، الشيء الذي يمنحهم أقل قدر من « المنفعة الحدية » وسيقدمون على التبادل فقط لو كانت المنفعة الحدية للشيء الذي سيقتنونه أعلى من المنفعة الحدية للشيء الذي سيتخلون عنه. وإدراك هذا هو مفتاح فهم طبيعة عمل الأسواق.

عن محمد حبش

يمكنك متابعتي أيضاً عبر فايس بوك، تويتر، التغذية، و النشرة البريدية

شاهد أيضاً

ما هي عقود الفروقات وما آلية عملها؟

    أصبحت عقود الفروقات شائعة بين المستثمرين فهي واحدة من أسرع أدوات التداول نموًا …

%d مدونون معجبون بهذه: