منشورات فدائية على جدران إسرائيل

منشورات فدائية على جدران إسرائيل - نزار قباني



لن تجعلوا من شعبنا


شعبَ هنودٍ حُمرْ..


فنحنُ باقونَ هنا..


في هذه الأرضِ التي تلبسُ في معصمها


إسوارةً من زهرْ


فهذهِ بلادُنا..

فيها وُجدنا منذُ فجرِ العُمرْ


فيها لعبنا، وعشقنا، وكتبنا الشعرْ


مشرِّشونَ نحنُ في خُلجانها


مثلَ حشيشِ البحرْ..

مشرِّشونَ نحنُ في تاريخها


في خُبزها المرقوقِ، في زيتونِها

في قمحِها المُصفرّْ


مشرِّشونَ نحنُ في وجدانِها


باقونَ في آذارها



باقونَ في نيسانِها


باقونَ كالحفرِ على صُلبانِها


ياقونَ في نبيّها الكريمِ، في قُرآنها..


وفي الوصايا العشرْ..

2


لا تسكروا بالنصرْ…


إذا قتلتُم خالداً.. فسوفَ يأتي عمرْو


وإن سحقتُم وردةً..


فسوفَ يبقى العِطرْ

3


لأنَّ موسى قُطّعتْ يداهْ..


ولم يعُدْ يتقنُ فنَّ السحرْ..


لأنَّ موسى كُسرتْ عصاهْ


ولم يعُدْ بوسعهِ شقَّ مياهِ البحرْ


لأنكمْ لستمْ كأمريكا.. ولسنا كالهنودِ الحمرْ


فسوفَ تهلكونَ عن آخركمْ


فوقَ صحاري مصرْ…

4


المسجدُ الأقصى شهيدٌ جديدْ


نُضيفهُ إلى الحسابِ العتيقْ


وليستِ النارُ، وليسَ الحريقْ


سوى قناديلٍ تضيءُ الطريقْ

5


من قصبِ الغاباتْ


نخرجُ كالجنِّ لكمْ.. من قصبِ الغاباتْ


من رُزمِ البريدِ، من مقاعدِ الباصاتْ


من عُلبِ الدخانِ، من صفائحِ البنزينِ، من شواهدِ الأمواتْ


من الطباشيرِ، من الألواحِ، من ضفائرِ البناتْ


من خشبِ الصُّلبانِ، ومن أوعيةِ البخّورِ، من أغطيةِ الصلاةْ


من ورقِ المصحفِ نأتيكمْ


من السطورِ والآياتْ…


فنحنُ مبثوثونَ في الريحِ، وفي الماءِ، وفي النباتْ


ونحنُ معجونونَ بالألوانِ والأصواتْ..


لن تُفلتوا.. لن تُفلتوا..


فكلُّ بيتٍ فيهِ بندقيهْ


من ضفّةِ النيلِ إلى الفراتْ

6


لن تستريحوا معنا..


كلُّ قتيلٍ عندنا


يموتُ آلافاً من المراتْ…

7


إنتبهوا.. إنتبهوا…


أعمدةُ النورِ لها أظافرْ


وللشبابيكِ عيونٌ عشرْ


والموتُ في انتظاركم في كلِّ وجهٍ عابرٍ…


أو لفتةٍ.. أو خصرْ


الموتُ مخبوءٌ لكم.. في مشطِ كلِّ امرأةٍ..


وخصلةٍ من شعرْ..

8


يا آلَ إسرائيلَ.. لا يأخذْكم الغرورْ


عقاربُ الساعاتِ إن توقّفتْ، لا بدَّ أن تدورْ..


إنَّ اغتصابَ الأرضِ لا يُخيفنا


فالريشُ قد يسقطُ عن أجنحةِ النسورْ


والعطشُ الطويلُ لا يخيفنا


فالماءُ يبقى دائماً في باطنِ الصخورْ


هزمتمُ الجيوشَ.. إلا أنكم لم تهزموا الشعورْ


قطعتم الأشجارَ من رؤوسها.. وظلّتِ الجذورْ

9



ننصحُكم أن تقرأوا ما جاءَ في الزّبورْ


ننصحُكم أن تحملوا توراتَكم


وتتبعوا نبيَّكم للطورْ..


فما لكم خبزٌ هنا.. ولا لكم حضورْ


من بابِ كلِّ جامعٍ..


من خلفِ كلِّ منبرٍ مكسورْ


سيخرجُ الحجّاجُ ذاتَ ليلةٍ.. ويخرجُ المنصورْ

10


إنتظرونا دائماً..


في كلِّ ما لا يُنتظَرْ


فنحنُ في كلِّ المطاراتِ، وفي كلِّ بطاقاتِ السفرْ


نطلعُ في روما، وفي زوريخَ، من تحتِ الحجرْ


نطلعُ من خلفِ التماثيلِ وأحواضِ الزَّهرْ..


رجالُنا يأتونَ دونَ موعدٍ



في غضبِ الرعدِ، وزخاتِ المطرْ


يأتونَ في عباءةِ الرسولِ، أو سيفِ عُمرْ..


نساؤنا.. يرسمنَ أحزانَ فلسطينَ على دمعِ الشجرْ


يقبرنَ أطفالَ فلسطينَ، بوجدانِ البشرْ


يحملنَ أحجارَ فلسطينَ إلى أرضِ القمرْ..


11


لقد سرقتمْ وطناً..


فصفّقَ العالمُ للمغامرهْ


صادرتُمُ الألوفَ من بيوتنا


وبعتمُ الألوفَ من أطفالنا


فصفّقَ العالمُ للسماسرهْ..


سرقتُمُ الزيتَ من الكنائسِ


سرقتمُ المسيحَ من بيتهِ في الناصرهْ


فصفّقَ العالمُ للمغامرهْ


وتنصبونَ مأتماً..


إذا خطفنا طائرهْ


12


تذكروا.. تذكروا دائماً

بأنَّ أمريكا – على شأنها –


ليستْ هيَ اللهَ العزيزَ القديرْ


وأن أمريكا – على بأسها –


لن تمنعَ الطيورَ أن تطيرْ


قد تقتلُ الكبيرَ.. بارودةٌ


صغيرةٌ.. في يدِ طفلٍ صغيرْ


13


ما بيننا.. وبينكم.. لا ينتهي بعامْ


لا ينتهي بخمسةٍ.. أو عشرةٍ.. ولا بألفِ عامْ


طويلةٌ معاركُ التحريرِ كالصيامْ


ونحنُ باقونَ على صدوركمْ..


كالنقشِ في الرخامْ..


باقونَ في صوتِ المزاريبِ.. وفي أجنحةِ الحمامْ


باقونَ في ذاكرةِ الشمسِ، وفي دفاترِ الأيامْ


باقونَ في شيطنةِ الأولادِ.. في خربشةِ الأقلامْ


باقونَ في الخرائطِ الملوّنهْ


باقونَ في شعر امرئ القيس..


وفي شعر أبي تمّامْ..


باقونَ في شفاهِ من نحبّهمْ


باقونَ في مخارجِ الكلامْ..


14


موعدُنا حينَ يجيءُ المغيبْ


موعدُنا القادمُ في تل أبيبْ


“نصرٌ من اللهِ وفتحٌ قريبْ”


15


ليسَ حزيرانُ سوى يومٍ من الزمانْ


وأجملُ الورودِ ما ينبتُ في حديقةِ الأحزانْ..


16


للحزنِ أولادٌ سيكبرونْ..


للوجعِ الطويلِ أولادٌ سيكبرونْ


للأرضِ، للحاراتِ، للأبوابِ، أولادٌ سيكبرونْ


وهؤلاءِ كلّهمْ..


تجمّعوا منذُ ثلاثينَ سنهْ


في غُرفِ التحقيقِ، في مراكزِ البوليسِ، في السجونْ


تجمّعوا كالدمعِ في العيونْ


وهؤلاءِ كلّهم..


في أيِّ.. أيِّ لحظةٍ


من كلِّ أبوابِ فلسطينَ سيدخلونْ..


17


..وجاءَ في كتابهِ تعالى:


بأنكم من مصرَ تخرجونْ


وأنكمْ في تيهها، سوفَ تجوعونَ، وتعطشونْ


وأنكم ستعبدونَ العجلَ دونَ ربّكمْ


وأنكم بنعمةِ الله عليكم سوفَ تكفرونْ


وفي المناشير التي يحملُها رجالُنا


زِدنا على ما قالهُ تعالى:


سطرينِ آخرينْ:


ومن ذُرى الجولانِ تخرجونْ


وضفّةِ الأردنِّ تخرجونْ


بقوّةِ السلاحِ تخرجونْ..



18


سوفَ يموتُ الأعورُ الدجّالْ


سوفَ يموتُ الأعورُ الدجّالْ


ونحنُ باقونَ هنا، حدائقاً، وعطرَ برتقالْ


باقونَ فيما رسمَ اللهُ على دفاترِ الجبالْ


باقونَ في معاصرِ الزيتِ.. وفي الأنوالْ


في المدِّ.. في الجزرِ.. وفي الشروقِ والزوالْ


باقونَ في مراكبِ الصيدِ، وفي الأصدافِ، والرمالْ


باقونَ في قصائدِ الحبِّ، وفي قصائدِ النضالْ


باقونَ في الشعرِ، وفي الأزجالْ


باقونَ في عطرِ المناديلِ..


في (الدَّبكةِ) و (الموَّالْ)..


في القصصِ الشعبيِّ، والأمثالْ


باقونَ في الكوفيّةِ البيضاءِ، والعقالْ


باقونَ في مروءةِ الخيلِ، وفي مروءةِ الخيَّالْ


بالقونَ في (المهباجِ) والبُنِّ، وفي تحيةِ الرجالِ للرجالْ


باقونَ في معاطفِ الجنودِ، في الجراحِ، في السُّعالْ


باقونَ في سنابلِ القمحِ، وفي نسائمِ الشمالْ


باقونَ في الصليبْ..


باقونَ في الهلالْ..


في ثورةِ الطلابِ، باقونَ، وفي معاولِ العمّالْ


باقونَ في خواتمِ الخطبةِ، في أسِرَّةِ الأطفالْ


باقونَ في الدموعْ..


باقونَ في الآمالْ


19


تسعونَ مليوناً من الأعرابِ خلفَ الأفقِ غاضبونْ


با ويلكمْ من ثأرهمْ..


يومَ من القمقمِ يطلعونْ..


20


لأنَّ هارونَ الرشيدَ ماتَ من زمانْ


ولم يعدْ في القصرِ غلمانٌ، ولا خصيانْ


لأنّنا مَن قتلناهُ، وأطعمناهُ للحيتانْ


لأنَّ هارونَ الرشيدَ لم يعُدْ إنسانْ


لأنَّهُ في تحتهِ الوثيرِ لا يعرفُ ما القدسَ.. وما بيسانْ


فقد قطعنا رأسهُ، أمسُ، وعلّقناهُ في بيسانْ


لأنَّ هارونَ الرشيدَ أرنبٌ جبانْ


فقد جعلنا قصرهُ قيادةَ الأركانْ..

21


ظلَّ الفلسطينيُّ أعواماً على الأبوابْ..


يشحذُ خبزَ العدلِ من موائدِ الذئابْ


ويشتكي عذابهُ للخالقِ التوَّابْ


وعندما.. أخرجَ من إسطبلهِ حصاناً


وزيَّتَ البارودةَ الملقاةَ في السردابْ


أصبحَ في مقدورهِ أن يبدأَ الحسابْ..


22


نحنُ الذينَ نرسمُ الخريطهْ


ونرسمُ السفوحَ والهضابْ..


نحنُ الذينَ نبدأُ المحاكمهْ


ونفرضُ الثوابَ والعقابْ..


23


العربُ الذين كانوا عندكم مصدّري أحلامْ


تحوّلوا بعدَ حزيرانَ إلى حقلٍ من الألغامْ


وانتقلت (هانوي) من مكانها..


وانتقلتْ فيتنامْ..


24


حدائقُ التاريخِ دوماً تزهرُ..


ففي ذُرى الأوراسِ قد ماجَ الشقيقُ الأحمرُ..


وفي صحاري ليبيا.. أورقَ غصنٌ أخضرُ..


والعربُ الذين قلتُم عنهمُ: تحجّروا


تغيّروا..


تغيّروا


25




أنا الفلسطينيُّ بعد رحلةِ الضياعِ والسّرابْ


أطلعُ كالعشبِ من الخرابْ


أضيءُ كالبرقِ على وجوهكمْ


أهطلُ كالسحابْ

أطلعُ كلَّ ليلةٍ..


من فسحةِ الدارِ، ومن مقابضِ الأبوابْ


من ورقِ التوتِ، ومن شجيرةِ اللبلابْ


من بركةِ الدارِ، ومن ثرثرةِ المزرابْ


أطلعُ من صوتِ أبي..


من وجهِ أمي الطيبِ الجذّابْ


أطلعُ من كلِّ العيونِ السودِ والأهدابْ


ومن شبابيكِ الحبيباتِ، ومن رسائلِ الأحبابْ


أفتحُ بابَ منزلي.


أدخلهُ. من غيرِ أن أنتظرَ الجوابْ


لأنني أنا.. السؤالُ والجوابْ


26


محاصرونَ أنتمُ بالحقدِ والكراهيهْ


فمن هنا جيشُ أبي عبيدةٍ


ومن هنا معاويهْ


سلامُكم ممزَّقٌ..

وبيتُكم مطوَّقٌ


كبيتِ أيِّ زانيهْ..


27


نأتي بكوفيّاتنا البيضاءِ والسوداءْ

نرسمُ فوقَ جلدكمْ إشارةَ الفداءْ


من رحمِ الأيامِ نأتي كانبثاقِ الماءْ


من خيمةِ الذُّل التي يعلكُها الهواءْ


من وجعِ الحسينِ نأتي.. من أسى فاطمةَ الزهراءْ


من أُحدٍ نأتي.. ومن بدرٍ.. ومن أحزانِ كربلاءْ


نأتي لكي نصحّحَ التاريخَ والأشياءْ


ونطمسَ الحروفَ..


في الشوارعِ العبريّةِ الأسماء..

ماذا يقول نزار قباني عن أحداث غزة وحال الأمة العربية في العام 2009؟

لو تأمل نزار قباني حال غزة اليوم حيث القتل والدمار على الهواء مباشرة في حين أن العرب تهربوا من تحمّل مسؤولياتهم وتقاعسوا عن أداء واجباتهم فاجتمعوا بعد زمن على مضض وعلى مستوى وزراء الخارجية واكتفوا بإصدار بيان هزيل لا يحمي من عدو ولا يقي من عدوان فلا شك أنه كان سيخاطب غزة، كما خاطب بيروت، من قبل صارخاً:
«سامحينا.. إن تركناك تموتين وحيده..
وتسّللنا إلى خارج الغرفة نبكي كجنودٍ هاربين
سامحينا.. إن رأينا دمكِ الورديَّ ينساب كأنهار العقيق
وتفرّجنا على فعل الزنى.. وبقينا ساكتين..».
لكن لماذا وصلنا إلى هذه الحال حتى أصبحت الدول صغيرها وكبيرها على حد سواء من أميركا إلى إسرائيل مروراً بإثيوبيا يستبيحون بلادنا ويحتلون أرضنا ويدنسون مقدساتنا فإن السبب، برأي نزار، هو:
«لو أننا لم ندفن الوحدة في الُتراب
لو لم نمزّق جسمها الطريَّ بالحراب..
لو بقيت في داخل العيون والأهداب..
لما استباحت.. لحمنا الكلاب..».
ولو كان نزار قد استمع إلى خطابات بعض حكام العرب وسياسييهم الذين حملوا المسؤولية في أحداث غزة الأخيرة للمقاومة لا لإسرائيل ووجد بعضهم يتبنى وجهة النظر الإسرائيلية ويرددها ويبررها ويروج لمبادرات عبرية الأهداف عربية الحروف فلا شك أنه كان سيواجههم بالسؤال:

«كأنَّ حرابَ إسرائيل لم تُجهضْ شقيقاتكْ
ولم تهدمْ منازلنا.. ولم تحرقْ مصاحفنا
ولا راياتُها ارتفعت على أشلاءِ راياتكْ
كأنَّ جميعَ من صُلبوا..
على الأشجارِ.. في يافا.. وفي حيفا..
وبئرَ السبعِ.. ليسوا من سُلالاتكْ..».
ومن المؤكد أن نزار قباني كان سيدرك أن بعض الحكام العرب قد تنازلوا عن كل الحقوق والمصالح العربية وقايضوها لقاء بقائهم في مناصبهم والتلذذ بمزايا السلطة ومنافعها ومفاسدها أيضاً وكذلك لقاء توريث السلطة لسلالاتهم ومن يحبون من بعدهم!! ولا شك أنه سيصرخ بوجههم قائلاً لكل منهم:

«تغوصُ القدسُ في دمها..
وأنتَ صريعُ شهواتكْ
تنامُ.. كأنّما المأساةُ ليستْ بعضَ مأساتكْ
متى تفهمْ؟
متى يستيقظُ الإنسان في ذاتكْ؟».
ولا شك أن نزار قباني لن يتجاهل أن بعض قادة هذا الزمان قد جرموا المقاومة ولاحقوا قادتها واتهموهم بأبشع الأوصاف والاتهامات وأدانوهم بفعل النصر وأغلقوا حدودهم في وجههم في الوقت الذي فرشوا فيه السجاد الأحمر لقادة إسرائيل واستقبلوا كبار مجرميها ومجرماتها أيضاً وإذا كان طارق بن زياد قد حقق النصر للعرب منذ زمن فأصبح مثلاً وقدوة فإن قادة المقاومة في عصرنا هذا قد ساروا على دربه ونهجه فسعوا لنصر العرب وقاتلوا للحفاظ على حقوقهم ووجودهم وكراماتهم إلا أن جزاءهم من قبل بعض حكامنا العرب هو التشكيك بنصرهم ومعاقبتهم والتعاون مع الأعداء للقضاء عليهم والتخلص منهم فأصبح المقاوم مستهدفاً ملاحقاً حتى في بلده التي دافع عنها وضحى لأجلها!! وعنه يقول نزار:

«أخذوا منه النياشينَ، أقالوهُ من الجيش..
أحالوهُ إلى محكمة الأمن، أدانوه بجرم النصر!!
هل جاء زمانُ..
صار فيه النصرُ محظوراً علينا يا بنيّ؟
ثمّ هل جاء زمانُ؟
يقفُ السيفُ به متّهماً عند أبواب القضاء العسكريّ!!
ثم هل جاء زمانُ..
فيه نستقبلُ إسرائيل بالورود… وآلاف الحمائم..».
لكن لماذا لا يستمع نزار قباني إلى الخطاب «العقلاني جداً» السائد هذه الأيام والصادر من كبرى العواصم العربية وعلى لسان بعض كبار مسؤوليها ومثقفيها أيضاً والداعي إلى انتظار العدالة الدولية والتماس العون أو التفهم من كبرى دول العالم أو انتظار العدالة الإلهية التي لا بد أنها ستتحقق يوماً في الدنيا أو الآخرة بدلاً من استعجال ارتكاب «إثم المقاومة» أو «جرم الدفاع عن النفس» وهنا لا بد أن الجواب الجاهز عنده سيكون:

«ظلَّ الفلسطينيُّ أعواماً على الأبوابْ
يشحذ خبزَ العدل من موائد الذئابْ
ويشتكي عذابَهُ للخالق التوَّابْ..
وعندما.. أخرجَ من إسطبله حصانَهُ
وزيَّتَ البارودةَ الملقاةَ في السردابْ
أصبح في مقدوره.. أن يبدأ الحسابْ..».
لكن هذا الحساب الذي يتحدث عنه نزار وتبناه الفكر المقاوم وجسده على الأرض من خلال سلوك قادة المقاومة ورجالها ألا يعتبر إرهاباً بل «قتلاً غير مبرر وغير مشروع» برأي أميركا ومن يسير على نهجها وهداها من أنظمتنا ومفكرينا؟ فلماذا لا يقبل مقاومو العرب أن يظلوا طيبين كبقية إخوانهم من قادة دول الاعتدال العربي بدلاً من أن يتهموا بالقتل والإرهاب وفقاً للخطاب الأميركي والإسرائيلي؟ هنا يجيب نزار قباني بوضوح».

«يا ربنا:
نرفض أن نكون بعد اليوم طيبين…
فالطيبون كلهم أنصاف ميتين….
هم سرقوا بلادنا… هم قتلوا أولادنا…
فاسمح لنا، ياربنا..
نكون قاتلين…».
ورغم أن قادة المقاومة في حماس لم يتح لهم أن يحضروا ويعرضوا وجهة نظرهم في الاجتماع الوزاري العربي الأخير الذي خصص لبحث العدوان الذي يتعرضون له والإبادة التي تستهدفهم في غزة!! إلا أن نزار قباني لو قدّر له أن يحضر اجتماع القمة العربية الموعودة التي أصبح انعقادها مشكلة وغيابها أيضاً مشكلة فلا شك أنه سيصرخ في وجوه معظم الحاضرين من السادة الملوك والأمراء ورؤساء الجمهوريات في الدول العربية قائلاً:

«متى سترحلون؟
المسرح انهار على رؤوسكم..
متى سترحلون؟
والناس في القاعة يشتمون.. يبصقون
كانت فلسطين لكم.. دجاجةً من بيضها الثمين تأكلون
كانت فلسطين لكم… قميص عثمان الذي به تتاجرون
طوبى لكم.. على يديكم أصبحت حدودنا من ورق
فألف تشكرون…
على يديكم أصبحت بلادنا… امرأة مباحةً.. فألف ألف تشكرون».
ولن ينسى نزار قباني رغم كل شيء أن يهدد الصهاينة بأن كل جرائم الإبادة التي يرتكبونها بحق العرب لن تنهي الصراع مهما طال الزمن باعتبار أن هناك حقوقاً سليبة وأرضاً لا تزال مغتصبة وهو لن ينبهر بالدعوات لإنهاء الصراع بالشروط الإسرائيلية تحت ذريعة أن هذا الصراع قد مضت عليه فترة زمنية طويلة وأنه من الواجب قبول التسويات المطروحة بما هو دون الحق الأدنى من الحقوق والمصالح العربية لذلك نجده يخاطب الصهاينة قائلاً:

«ما بيننا.. وبينكُمْ
لا ينتهي بعامْ..
لا ينتهي بخمسةٍ.. أو عشْرةٍ… ولا بألفِ عامْ..
طويلةٌ معاركُ التحرير.. كالصيامْ
ونحنُ باقونَ على صدوركم
كالنَقْش في الرخامْ…».
ورغم كل التشاؤم مما حولنا والإحباط الذي يصيبنا بسبب ذلك إلا أن المراهنة، عند نزار، تظل على جيل قادم يرفض الواقع ولا يستسلم له ويسعى لتغييره بكل ما أوتي من قوة وعنه يقول:
«نريدُ جيلاً غاضباً… نريدُ جيلاً قادماً مختلف الملامح
لا يغفر الأخطاءَ… لا يسامح..
لا ينحني… لا يعرف النفاق..
نريدُ جيلاً، رائداً، عملاق..».
ولو طلب من نزار اليوم لو كان حيّاً بيننا أن يشخص مع مطلع العام 2009 رؤيته لحال العالم العربي حالياً فلن يجد أفضل مما كتبه قبل ثلاثة عقود في العام 1980 وألقاه في تونس وقال فيه:
«أمشي على ورق الخريطة خائفاً
فعلى الخريطة كلّنا أغرابُ..
أتكلّمُ الفصحى أمام عشيرتي… وأعيدُ… لكن ما هناك جوابُ
لولا العباءات التي التُّفوا بها… ما كنتُ أحسبُ أنهم أعرابُ..
يتقاتلون على بقايا تمرة… فخناجر مرفوعة وحرابُ
وخريطةُ الوطن الكبير فضيحةُُ… فحواجز.. ومخافر.. وكلاب..
والعالم العربيُّ… إمّا نعجة… مذبوحة، أو حاكم قصابُ».
ورغم أن ما كتبه نزار منذ عقود كان يتوقع فيه الأسوأ إلا أن العرب وكلما اعتقدنا أنهم قد وصلوا إلى أسوأ ما يمكن الوصول إليه نجدهم يفاجئوننا دوماً بأن هناك المزيد من السوء الذي يمكن أن يصلوا إليه ويبلغوه!! لدرجة أننا إن بقينا على هذه الحال فإن أشعار نزار قباني ذاتها لن تكون قادرةً على التعبير وقتها عن الحالة التي سنكون قد بلغناها!!

إلى احداث غزة …

ترصيع بالذهب على سيف دمشقي       / نزار قباني

أتراها تحبني ميسون … أم توهمت والنساء ظنون
كم رسول أرسلته لأبيها … ذبحته تحت النقاب العيون
يا ابنة العم والهوى أموي … كيف أخفي الهوى وكيف أبين
كم قتلنا في عشقنا وبعثنا … بعد موت وما علينا يمين
ما وقوفي في الديار وقلبي … كجبيني قد طرزته الغصون
لا ظباء الحمى رددن سلامي … والخلاخيل ما لهن رنين
هل مرايا دمشق تعرف وجهي … من جديد أم غيرتني السنين
يا زمانا في الصالحية سمحا … أين مني الغوى وأين الفتون
يا سريري ويا شراشف أمي … يا عصافير يا شذا يا غصون
يا زواريب حارتي خبئيني … بين جفنيك فالزمان ضنين
واعذريني إذا بدوت حزينا … إن وجه المحب وجه حزين
هاهي الشام بعد فرقة دهر … أنهر سبعة وحور عين
النوافير في البيوت كلام … والعناقيد سكر مطحون
والسماء الزرقاء دفتر شعر … والحروف التي عليه سنونو
هل دمشق كما يقولون كانت … حين في الليل فكر الياسمين
آه يا شام كيف أشرح ما بي … وأنا فيك دائما مسكون
سامحيني إن لم أكاشفك بالعشق … فأحلى ما في الهوى التضمين
نحن أسرى معا وفي قفص الحب … يعاني السجان والمسجون
يا دمشق التي تقمصت فيها … هل أنا السرو أم أنا الشربين
أم أنا الفل قي أباريق أمي … أم أنا العشب والسحاب الهتون
أم أنا القطة الأثيرة في الدار … تلبي إذا دعاها الحنين
يا دمشق التي تفشى شذاها … تحت جلدي كأنه الزيزفون
سامحيني إذا اضطربت فإني … لا مقفى حبي ولا موزون
وازرعيني تحت الضفائر مشطا … فأريك الغرام كيف يكون
قادم من مدائن الريح وحدي … فاحتضني كالطفل يا قاسيون
احتضني ولا تناقش جنوني … ذروة العقل يا حبيبي الجنون
احتضني خمسين ألفا وألفا … فمع الضم لا يجوز السكون
أهي مجنونة بشوقي إليها … هذه الشام أم أنا المجنون
حامل حبها ثلاثين قرنا … فوق ظهري وما هناك معين
كلما جئتها أرد ديوني … للجميلات حاصرتني الديون
إن تخلت كل المقادير عني … فبعين حبيبتي أستعين
يا الهي جعلت عشقي بحرا … أحرام على البحار السكون
يا الهي هل الكتابة جرح … ليس يشفى أم مارد ملعون
كم أعاني في الشعر موتا جميلا … وتعاني من الرياح السفين
جاء تشرين يا حبيبة عمري … أحسن الوقت للهوى تشرين
ولنا موعد على جبل الشيخ … كم الثلج دافئ وحنون
لم أعانقك من زمان طويل … لم أحدثك والحديث شجون
لم أغازلك والتغزل بعضي … للهوى دينه وللسيف دين
سنوات سبع من الحزن مرت … مات فيها الصفصاف والزيتون
سنوات فيها استقلت من الحب … وجفت على شفاهي اللحون
سنوات سبع بها اغتالنا اليأس … وعلم الكلام واليانسون
فانقسمنا قبائلا وشعوبا … واستبيح الحمى وضاع العرين
كيف أهواك حين حول سريري …يتمشى اليهود والطاعون
كيف أهواك والحمى مستباح … هل من السهل أن يحب السجين
لا تقولي : نسيت لم أنس شيئا … كيف تنسى أهدابهن الجفون
غير أن الهوى يصير ذليلا … كلما ذل للرجال جبين
شام يا شام يا أميرة حبي … كيف ينسى غرامه المجنون
أوقدي النار فالحديث طويل … وطويل لمن نحب الحنين
شمس غرناطة أطلت علينا … بعد يأس وزغردت ميسلون
جاء تشرين إن وجهك أحلى … بكثير ما سره تشرين
كيف صارت سنابل القمح أعلى … كيف صارت عيناك بيت السنونو
إن أرض الجولان تشبه عينيك … فماء يجري ولوز وتين
كل جرح فيها حديقة ورد … وربيع ولؤلؤ مكنون
يا دمشق البسي دموعي سوارا … وتمني فكل شيء يهون
وضعي طرحة العروس لأجلي … إن مهر المناضلات ثمين
رضي الله والرسول عن الشام … فنصر آت وفتح مبين
مزقي يا دمشق خارطة الذل … وقولي للدهر كن فيكون
استردت أيامها بك بدر … واستعادت شبابها حطين
بك عزت قريش بعد هوان … وتلاقت قبائل وبطون
إن عمرو بن العاص يزحف للشرق … وللغرب يزحف المأمون
كتب الله أن تكوني دمشقا … بك يبدا وينتهي التكوين
لا خيار أن يصبح البحر بحرا … أو يختار صوته الحسون
ذاك عمر السيوف لا سيف إلا … دائن يا حبيبتي أو مدين
هزم الروم بعد سبع عجاف … وتعافى وجداننا المطعون
وقتلنا العنقاء في جبل الشيخ … وألقى أضراسه التنين
صدق السيف وعده يا بلادي … فالسياسات كلها أفيون
صدق السيف حاكما وحكيما … وحده السيف يا دمشق اليقين
اسحبي الذيل يا قنيطرة المجد … وكحل جفنيك يا حرمون
سبقت ظلها خيول هشام … وأفاقت من نومها السكين
علمينا فقه العروبة يا شام … فأنت البيان والتبيين
علمينا الأفعال قد ذبحتنا … أحرف الجر والكلام العجين
علمينا قراءة البرق والرعد … فنصف اللغات وحل وطين
علمينا التفكير لا نصر يرجى … حينما الشعب كله سردين
إن أقصى ما يغضب الله فكر … دجنوه وكاتب عنين
وطني، يا قصيدة النار والورد … تغنت بما صنعت القرون
إن نهر التاريخ ينبع في الشام … أيلغي التريخ طرح هجين
نحن أصل الأشياء لا فورد باق … فوق إيوانه ولا رابين
نحن عكا ونحن كرمل حيفا … وجبال الجليل واللطرون
كل ليمونة ستنجب طفلا … ومحال أن ينتهي الليمون
إركبي الشمس يا دمشق حصانا … ولك الله حافظ و أمين

بواسطة : ووردبريس · تصميم : ثيم جنكي | تعريب قوالب ووردبريس