كرسي حديقتنا .. الشاهد عليهم

http://farm1.static.flickr.com/199/504920087_c426b687b0.jpg?v=0

أمام بيتي حديقة .. كنت قد قضيت معظم طفولتي فيها .. حشائش يابسة وبعض ركام الحديد … أشجار عالية وكراسي متناثرة  بينها يجلس إليها الناس ليشاطروها مغامراتهم..

مضى العمر بي ولم يعد لي مكان فيها .. اجلس على شرفة المنزل وأراقب الأطفال يلعبون بها .. في مواجهة الشرفة كرسي له  خصوصية مميزة .. فالمكان متطرف قليلاً ولا يوجد حوله أي كرسي آخر .. مع الأيام تحول هذا الكرسي لقاعة اجتماعات خاصة   لا يجلس عليه إلا العشاق .. ثنائيات يطوفون إليه .. هذا هو الحال كل يوم خاصة مع أيام الربيع والصيف

بالعادة ادرس على الشرفة و كلما رفعت عيناي من السطور لتقع فوق رؤوسهم .. لا اقصد التطفل أو البحلقة .. لكن هذا الكرسي تعلمت منه الكثير .. فالأزواج التي تجلس فوقه وتتناساه تعلمك الكثير من المسافة بينهما

هناك من يجلس كل منهما على طرف .. تمضي ساعتان والمسافة نفسها .. يتقاسمان عصيراً .. والأحاديث العادية تدور بينهما ..  يبدو أن العلاقة في بداية طريقها و قد يكون هذا اللقاء الثاني أو الرابع.. تنظر إلى ساعتها وتهرب للبيت

الزوج الآخر اقرب إلى بعضهما من السابقين .. يتحدثان ويضحكان .. تمر لحظات صمت .. يروي لها حكاياته وتاريخه المجيد  .. تفخر بنفسها وتقول انه الشاب المطلوب.. يسرقهما الزمن ويتأخر الوقت … حان موعد الذهاب .. اتصل بك لاحقاً

يدخلا الحديقة ممسكبن بيديهما ويختاران ذات الكرسي.. كأن شيء خفي يربط طريقة تفكيرهم .. فالحديقة فيها عشرات
الكراسي والكثير منها يقع بأماكن تشبهه.. يجلسان متلاصقين .. يمد يده حول عنقها ويداعبها بخفة .. يمرر أصابعه بين  خصل شعرها .. يحكي لها النكات .. يعلو صوت الضحكات .. تشابك أصابعها مع أصابعه .. يتخيل لها المستقبل الزاهر الذي  سيرسمانه سوية .. تمر الساعات مسرعة .. يوصلها إلى اقرب شارع فرعي ويومئ لها من بعيد ..

تحت شمس هادئة يفترشان الكرسي بجسدين متلاصقين.. لا يجد النسيم زاوية ليمر بينهما.. وكأنهما تعاهدا منذ الآن على  الوقوف بجانب بعضهما إلى الأبد ولا مكان بينهما حتى للهواء .. تخرج سيكارة وتطلب منه الولاعة .. ينفثا الدخان في الفضاء .. تتنهد وترسل نفخة تهز جبل.. تنام على صدره بهدوء .. تسمع خفقات قلبه المسرع .. قطار بوجهة بعيدة وقد تأخر.. تغمض  عيناها .. تسبح في عالم بعيد .. ترى بيتها والأولاد من حولها .. رجلها عائد من العمل والتعب قد نال منه.. تفتح عيناها  وتقترب من وجهه الأسمر .. تمد شفتها السفلى ولا يخيب ظنها بقبلة .. تبعد رأسها ويمرر يده من حول رقبتها .. يصمتان  لبرهة .. لصان بارعان.. تشغل من هاتفها أغنية … ترقص على أنغامها .. تلمس جبهته كصفيح نحاس .. ينتفض من مكانه  ليصحح جلسته .. تمرر أطراف أصابعها على شعره الخشن .. وينقش اسمه على كتفها بلمسته ..

من جميع المستويات .. وبمختلف درجات التقارب والتباعد.. علاقات تبنى فوق الكرسي .. تستمر وتطبع بصمتها في حياتهم ..  والكرسي يسمع ويرى ما يحدث عليه .. لا يمكنه أن يخبرها بخيانته… ولا يمكنه أن يهمس له بما فعلت المرة الماضية مع غيره  ..

وهكذا تتوالى الأيام والأزواج يجلسون على ذات الكرسي … تمر الأحاديث والذكريات .. ويبقى الكرسي شاهد عليهم

بعدك بتحبني ؟

هو : إلي زمان ما شفتك .. خير شو عاملة هالأيام
هي : ولا شي
هو : شلون يعني ؟ مشغولة ؟
هي : هئ
هو : لكن ليش ما عم تسألي علي
هي : صاير ممل
هو : انا ؟ شو بدك اعملك طيب حتى ما صير ممل
هي : مابعرف
هو : صحيح على قد حالي بس عم يتحسن الوضع شوي شوي
هي : أي تحسن وأي وضع ؟
هو : وضعنا ..
هي : مين نحن
هو : انا وانتي .. شبنا
هي : مو مبين انو عم يتحسن
هو : لا لا عم يتحسن .. اليوم احسن من سنة .. وبوكره احسن من اليوم
هي : طيب
هو : بتعرفي
هي : شو بدي اعرف
هو : هلء يمكن ماعندي بيت ملك خمس غرف وصالون بس راتبي وقرض مناخدو بيدبرلنا بيت منمنم نسكن فيو شو رايك
هي : الله كريم
هو : سبحان الله … بيطعم الحلاوة للي مالو سنان
هي : لكل مجتهد نصيب
هو : شوفي رفيقي مروان .. عندو بيت سبع غرف وسيارة موديل هالسنة وتركلو ابوه رصيد مقبول بالبنك عم يشغلو بالبورصة .. ومع هيك لسا ما لاقى بنت يرتبط فيها .. وهي نحن جاهزين بس ناقصنا بيت يحمينا بين حيطانه
هي : بتحبني ؟
هو : شو هالحكي ؟ … اكيد بحبك لكن لشو عم طح ليل نهار
هي : اذا بتحبني عنجد تعرفني على رفيقك مروان وما رح انسالك هالمعروف ابدا
هو : … !!

حب على الورق !!

منذ زمن لا بأس به ظهرت أعظم قصة حب عبر التاريخ حيث أن العاشقين لم يلتقيا ابداً وجهاً لوجه بل كان تواصلهم يتم فقط عبر الورق والرسائل ، بالكلام استطاعا ان يعشقا بعضهما حتى الموت وكان حبهم صادقاً جداً ظهر ذلك من خلال المعاني العميقة لمفردات الرسائل المتبادلة بينهم .

بدأت العلاقة من تبادل للآراء فكان أديباً وكاتباً معروفا وكانت ترسل له نقداً أدبياً عميقاً جعله يشعر بموهبتها عندما قرأ ما كتب عنه وبدأ يرسل إليها خطاباته وبدأت ترد على هذه الرسائل واذا بكل منهما يميل للآخر ومن ثم تحول هذا الميل إلى صداقة وتحولت الصداقة إلى حب عميق

ظل الحب يعيش في قلبهما مدة عشر سنوات كاملة !وحدثته عن أدق المشاعر حتى عن تسريحة شعرها ، بالتأكيد كانا يريدا اللقاء وجها لوجه ولكن شاءت الاقدار ان لا يلتقيا فهي بجانب والدها المريض وهو بعيد في المهجر وعندة وفاته توقفت الرسائل الغرامية وانتهت قصة غرام عبر الورق من أعظم ما يكون .

هذا كان أيام زمان … ودوام الحال من المحال فأصبح الحب هذه الأيام يبنى على الطرق العصرية واصبح من يتبع تلك الطرق السابقة متخلفاً ومجنوناً

تم إلغاء الورق والكتابة من قاموس أبناء هذا الزمن فالتواصل أصبح مباشراً سرياً جداً وسهلا فلا داعي لرصف المفردات الغرامية ودبجها في نص رسالة تعبر عن صدق المشاعر ولا داعي لانتظار وقت طويل يولع به العاشقان حتى تصل الرسالة فيحضنها ويقبلها ويقرأها مرة واثنتان وعشرة ويكتب رداً عليها يستغرق منه وقت ليس بالقليل وتعود الكرة … الذي استمر على هذا الحال عشر سنوات يسمى عاشقاً ومن يفعل كل تلك الخطوات بلمح البصر يسمي نفسه عاشقاً

مع اختراع الانترنت وبالتحديد برامج المسنجر اصبحت امور التواصل من بديهيات الحياة الانترنتية والعشق الالكتروني عبر الاسلاك أصبح الاكثر شعبية بين جمهور العشاق ولكن هل فعلاً هناك صدقاً بالمشاعر ؟ هل فعلا هناك حب متبادل ؟ أم أفخاخ تنصب لإيقاع أية فريسة و تزيف بالكلام المعسول

هناك من يدعو نفسه عاشقا وهو يتواصل مع احداهن أيضا عبر الكلام لكنه يرمي بنفس الكلام كل مرة للأولى والثانية والثالثة والأخيرة متحججاً بانه إن لم تنجح هذه فتلك ستفعل وهكذا دواليك .

عشر سنوات ولم يسمع صوتها او يرى صورتها بينما هنا من أول لقاء تم تبادل أرقام الهواتف المحمولة وارسال صورة شخصية معدلة بشكل جيد ولا تظهر أي عيب

عشر سنوات و قد تلقى منها ما أضاف للأدب الكثير من القصص وأدبيات الغرام بينما هنا لم يخرج نطاق الحديث عن القيل والقال وبعض وصف الحال

عشر سنوات وقلبهما معلق بخيط رقيق لعلهما يلتقيا ويتابعا الحديث الغرامي على ضفة النيل وجها لوجه يشعرا ببعض بالدفء الذي أحاط بهما بينما هنا من أول نصف ساعة حوار الكتروني يتم التواعد في مكان ويحجز بأقرب رحلة إن لم تكن من نفس المنطقة

بالتأكيد لامجال للمقارنة ولا داعي لذكر محاسن ومساوئ كلٍ منهما لكن فقط أريد ان اخبركما اني كنت اقصد بالأولى مي زيادة و جبران خليل جبران والثانية أي شخصين من هذا الزمن يسميان نفسهما عاشقين .

هل انتهت اللعبة ؟


http://images.cafepress.com/image/22730532_400x400.jpg
هل انتهت اللعبة  ؟


بدأت قصتهم منذ سنوات لكنها لم تأخذ شكلها الغريب هذا إلا من بعد احداث غير متوقعة حدثت لكلاهما وهنا تحولت الحكاية  لمنحى مغاير عما بدأت به .

كانا يعرفان بعضهما بشكل جيد وهناك تشابه كبير في أفكارهم وطرق معالجتها كما أن آرائهم كانت متقاطعة جداً حيث العديد من نقاط التلاقي ، بالرغم من انهم لم يتكلما وجها لوجه إلا بضع كلمات تبخرت في أقل من عشرين ثانية لكنها كانت تعني بالنسبة له الكثير الكثير وفي كل يوم يعيد شريط العمر إلى الوراء ليعود ويتذكر تلك الثواني والعفوية التي تصرف بها على عادته ، لقد اختلق ظرفاً معيناً ليحدث اللقاء وكانت هي من خطط له وحدد الزمان والمكان .. توقع أكثر من ذلك لكنها خذلته بشكل أو بآخر …

بدأت تتصل به ويسمع صوتها .. ليس حنوناً كالأساطير لكنه عذب ينم عن ذكاء خارق يجلس على الطرف الآخر من السماعة … كانا يتحدثان بين الوقت والآخر ويعاتبان بعض كالأطفال ببراءة لما كل منهما لا يسأل عن الآخر و كلاهما ينتظر الآخر ليبدأ المرحبا

ذات مرة أخبرته بأن الملل أصابها لرتابة الحياة وروتين الدراسة تحضيراً للإمتحان وطلبت منه ان يدعوها إلى مكان ما حددته بنفسها .. استغرب جداً فهذا تطور كبير لم يكن يتوقعه أبداً .. طلب تأكيدا على هذا القول وأكدت له ذلك بأنها ترغب بالمجيئ … بدأت دقات قلبه تتسارع بشكل جنوني فهي المرة الأولى التي يمر بموقف كهذا وانشغل عقله بالأفكار مما جعله يترك كل مابيديه من أوراق يدرسها ليصفي ذهنه تماماً ويحضر ما سيتكلم عنه .. حتماً سيكون اللقاء طويل … ربما ساعة … لا بل أكثر .. تلك الثواني كانت أروع ما عرفه فكيف بساعة كاملة أو اكثر … هتف لنفسه .. رائع ! وبدأ يرقص كالمجنون

كان قبل الموعد بربع ساعة متواجداً ينتظرها وقد جهز نفسه معنويا وشكلياً وبدى على ملامح وجهه التوتر الشديد .. مرت ربع الساعة وحان الموعد … لم تأتي بعد .. قال في نفسه ربما مواصلات او شيئ من هذا القبيل … مرت ربع ساعة أخرى .. هنا اتصل بها ليعرف ماذا حدث لها ؟

- مرحباً … أين أنتي ؟
– أهلاً … أنا في البيت … لماذا ؟!
- في البيت؟! … وهنا كاد ان ينقطع نفسه من الصدمة … و أغلق الخط لاشعورياً

مضى في طريقه لا يرى تماماً أمامه ولكن مئات الأفكار تمر في عقله ويتمتم لنفسه بصوت هامس وبعد دقائق عاد لوعيه وكان جسده يرتعش … اتجه لحديقة وجلس على كرسي خشبي مهترئ وسرح في السماء .. كان الأطفال يلعبون من حوله وهو في عالم آخر كلياً

ماذا ؟! هل وقعت في الفخ ! … لا ليست من هذا النوع .. أنا متأكد انها ليست كذلك … لكن لماذا فعلت هذا ؟ لماذا لم تأتي ؟

قال هذه الكلمات وقد سال الدم من قلبه المجروح حديثاً … وقاطع خلوته رسالة وصلت إليه تعاتبه بأن اسلوبه هذا كان فظاً بأن يغلق الخط في وجه المتكلم مرفقة بإعتذار لأنه صدقها وهل يمكن لأحد ان ينزل من بيته وغداً لديه امتحان ..
هنا تردد قليلا بأن يرسل رده .. لكنه لم يعتد يوماً ان يسكت على ظلم تعرض له وأرسل شارحاً بأنه طلب تأكيداً وتم ذلك وبناءاً عليه جاء .. ثم ردت عليه بأنها لو كانت جادة لكانت اتصلت به وارفقت كلماتها تلك بإعتذار لم  يضمد جرحه أبداً

وبعد أيام دخل قاعة الدراسة ورأته ثم ارسلت له بأن يأتي ليجلس مقابلها … قام وتوجه إلى كرسي شاغر مقابلها تماماً وجلس .. ثم فرد أوراقه وغط بها .. شيئ غريب فعلاً … يعرفان بعض منذ سنوات ويتكلمان عبر الهاتف ويجلسان مقابل بعض يفصلهما نصف متر من الهواء ومع هذا لا يكلمان بعض .. ربما كلاهما ينتظر الآخر ليبداً .. أو ربما …

كانت تغيب كثيراً ولايسمع خبراً منها وعندما تحتاج لمساعدة منه تجده إلى جانبها يقدم له يد المساعدة .. تسأله فيجيب … تطلب فيعطي .. وبعدها تختفي لأيام .. بل أسابيع

ذات يوم التقى بها في أحد الفضاءات وسألها عن أحوالها فقالت :

- بارك لي ؟
– ألف مبروك ولكن على ماذا ؟
- عندي خبرين رائعين .. الأول هو اني قبلت في الماجستير .. والثاني انه بعد عشرة أيام خطبتي
– هنا جمد قليلاً في مكانه وتوقف الهواء في رئتيه .. وقال هل انتهت اللعبة ؟

بواسطة : ووردبريس · تصميم : ثيم جنكي | تعريب قوالب ووردبريس