ريادة الأعمال في ليبيا (دروس يمكن تكرارها وأخري تجنبها)

 

في السطور التالي تتعرفون على تجربة معاذ الرقيعي الذي تواصل معي بالبريد ليعرض عليكم قصته مع تأسيس شركة ناشئة في ليبيا وما هي المصاعب التي واجهها والدروس التي تعلمها من هذه التجربة.

كيف جاءت الفكرة

سيتفق معي بعض القراء بل سيشاركوني مشاعري عندما أقول أن الريادي هو شخص لايهنأ له بال ولا يكل ولا يمل في سعيه لإضافة ما هو مفيد في شتى المجالات، أن نترك بصمتنا في عالم نراه الأصعب والأكثر تنافسا هو قمة النشوة والانتصار، إذا لم تكن رياديا فاسأل صديقك الريادي وكن مستعداً لحديث طويل مليء بالشغف والأفكار الطموحة التي يراها غيرنا بالمستحيلة والغير اعتيادية.

 سأحكي في هذه التدوينة قصتي مع Linguistify  أحد المشاريع الريادية التي أنشأتها سابقاً واستمتعت بكل يوم فيها، بل استمتعت بكل مشكلة اعترضتني وكل مرة ضربت الحائط بكلمة “لا تستطيع” فقط لأثبت لنفسي قبل غيري أن الريادي هو شخص يستمد طاقته ويستلهم مخيلته من تجارب ناجحة يراها بكل بساطة قابلة للتكرار بينما يراها غيرنا “ضربة حظ”.

Linguistify  أو Linguistic  “الشخص الذي يلم بعدة لغات” هي فكرة وليدة شغفي لتعلم العديد من اللغات، خلال رحلتي لإتقان اللغة الإنجليزية قمت باستخدام العديد من المصادر التعليمية سواء كانت كتباً أو مواقع على الإنترنت، فقط عندما بدأت باستخدام اللغة مع الأخرين بشكل عملي بدأت بملاحظة تحسن مباشر وسريع، الأمر الذي طبقته مع لغات أخرى وأثبت جدواه. ولكن إيجاد أشخاص في مدينتك يتحدثون اللغة التي تريد تعلمها ليس تماماً بالشيء السهل. من هذا المنطلق قررت أن أترجم تجربتي عبر موقع إلكتروني يفيد الأخرين لتحقيق نفس الغرض بل ويطمح إلي ماهو أبعد من تعلم اللغات فقط، بل إلي تعليم كل ما هو مفيد وقابل للتدريس. وهكذا ولد المشروع الريادي Linguistify.

ماهي المشكلة

المعاناة عادة ما تكون الحافز والدافع الحقيقي وراء كل ما هو ابتكاري وغير اعتيادي، مشكلة تعلم اللغات الأجنبية، تعلم الرياضيات التاريخ وغيرها من العلوم يمكن عادة حلها من خلال المدرس الخصوصي وعبر جلسات أسبوعية، ولكن ماذا إذا لم يوجد ذلك المدرس حولك؟ ماذا إذا وجد ولم تستطع تحمل النفقات المرتفعة لتلك الدروس؟ ماذا إذا وجد ولكنك غير متيقن من جودة أداء المدرس وصعب عليك اختيار من تثق به؟

كل هذه الأفكار جالت بخاطري عندما قررت أن أنشىء Linguistify حيث لم يكن تفكيري منحصراً حول تسهيل تعلم اللغات فقط بل إلى ما أبعد من ذلك، عندها أدركت أن هناك مشكلة تريد الحل، أتحدث هنا عن أولئك الذين يشاركونني نفس الصعوبات و يتواجدون في أماكن تتقاسم نفس التحديات والإمكانيات.

ولكن من دون إثبات جدوى المشروع فقد أغامر بإهدار الوقت والمال فيما قد لا ينتج عنه ما يرموا إليه طموحي ولذلك كان حتماً علي إجراء بعض التجارب البسيطة لإستشعار جدوى المشروع من قبل البدء فيه.

بحكم وظيفتي حينذاك كنت قادرا علي الوصول إلي بعض الموارد البشرية التي لها ذراعاً أساسيا في نجاح مشروعي من عدمه، أتحدث هنا عن المدرسين والمعلمين! كنت مسؤول التسويق الالكتروني بالمجلس الثقافي البريطاني في ليبيا وكان لدي العديد من الأصدقاء “المعلمين” الذين رحبوا بإجابة بعض الأسئلة التي كانت ستحدد إتجاه المشروع ونجاحه من عدمه.

الفكرة بسيطة، كنت أبحث عن جواب “نعم” عندما أناقشهم حول القيمة المضافة التي سيطرحها الموقع للمدرس الخصوصي، وهل سيجد رواجا وقبولا أو لا. يمكن استشفاف مثل هذه الإيجابات عادة من ردة الفعل الأولى عندما تعرض الخدمة التي يقدمها مشروعك ومن ثم يمكنك الشروع في إضافة أي أسئلة أخرى تتعلق بالخصائص التي يتيحها الموقع أو المنتج الذي ترموا لتصنيعه أو إيجاده.

نموذج العمل

الفكرة الرئيسية لنموذج عمل Linguistify  ترتكز على  مساعدة الطالب في إيجاد المدرس الخصوصي للمادة التي يحتاج فيها إلى  مساعدة ومن ثم تسهيل عملية تبادل المعلومات بين الطرفين، المدرس والطالب.

للإلمام بكل جوانب المشروع وملء كل الثغرات تعين علي إجراء بعض المقابلات الشخصية مع مدرسين لهم باع طويل في مجال التدريس الخصوصي، بعض هذه المقابلات كانت وجهاً لوجه والبعض الأخر كان عبر الأنترنت من خلال سكايب، على الصعيد الاخر قمت بالجلوس مع بعض الطلاب في الجامعات الليبية لفهم متطلباتهم وربط النقاط ببعضها لتشكيل الهيكل الأساسي الذي سيعتمد عليه المشروع بعد الإنطلاق.

 الشروع في العمل والتنفيذ

بناء على العديد من الإجابات التي قمت بتجميعها فقد استطعت أن أرسم خريطة لطريقة عمل الموقع و تحديد المزايا التي أردت أن أضيفها للتصميم النهائي، ولكن الإيجابات التي تحصلت عليها كانت دليلا على جدوى المشروع، كما كانت دليلا واضحا على بعض المصاعب التي تنتظرني في الطريق، النقاط التالية توضح أحد أهم المصاعب التي ستواجهها عندما تريد إنشاء مشروعا رياديا بمعايير حديثة وفي بيئة تحتية لاتوفر إحتياجاتك (أتحدث عن 4 سنوات سابقة):

  • مبرمجين ( أدركت أن مستوى البرمجة الذي أحتاجه لتنفيذ Linguistify أعلى من مستوى البرمجة الذي أمتلكه)
  • الدفع الإلكتروني (لضمان إشتراك مدرسين ذوي جودة عالية تعين علي توفير مقابل مادي لخدماتهم)

حجم المصاعب كان جلياً من اليوم الأول، اسئل أي ريادي ليبي عن تجربته مع الدفع الإلكتروني واستمتع بحصة شيقة من الإحباط والخوف من المجهول! حينها كان لدي خيارين صريحين، إما أن أوقف المشروع من قبل البدء فيه أو أن أجد حلولاً مرنة ولكنها لا تفقد المشروع قيمته المعنوية والمادية في نفس الوقت لضمان الجودة.

بعد مقابلة بعض البنوك المحلية أدركت أن تلك البنوك لا تتيح خاصية ربط حساب البنك على الأنترنت بل حتى حسابات VISA و MasterCard غير مؤهلة للتماشي مع متطلبات الدفع الألكتروني التي نعرفها خارج بلادنا.

كان يتوجب علي إتخاذ قرار أخر حول هذه المشكلة، قمت بربط حساب PayPal  علي Linguistify (PayPal غير متوفر في ليبيا) مما يعني إقصاء شريحة كبيرة من المستخدمين من داخل البلاد على أمل استهداف شريحة أخرى ذات خواص متشابهة بهدف تعويض الفرق.

مباشرة ومن دون تردد عزمت التوكل على إنشاء Linguistify  من خلال توظيف مبرمجين مستقلين قمت بانتقائهم بعناية عبر موقع ODesk . إذا لم تسمع بهذا الموقع من قبل فيمكنك زيارته للتعرف على المزايا التي يوفرها، يمكنك بكل بساطة إيجاد شخص ذو مهارة معينة في أي مجال يمكن تخيله. قمت بطرح المتطلبات التي أردتها لتصميم Linguistify ومن ثم بدأت في استقبال العروض من العديد من المبرمجين من كل بقاع العالم، قمت بعدها باختيار المبرمجين ذوي التصويتات الأفضل والذين قاموا بإنجاز العديد من الأعمال السابقة على نفس الموقع والتي عادة ما يمكنك النظر إليها للتحقق من جودة مهاراتهم.

قمت بإجراء خطوة أخرى إضافية قبل تعيين فريق العمل والتي أنصح أي شخص بفعلها وهي إجراء مقابلة شخصية على سكايب، المقابلة الشخصية تتيح لك النظر إلى الطرف الاخر والتفرس في سلوكياته و أسلوبه، تخيل نفسك مديراً لشركة وتقوم بتعيين موظفين جدد، التعيين على ODesk لا يختلف كثيرا.

بعد اختيار المبرمجين قمت بتقسيم المشروع علي عدة مراحل، بمعنى أن الموقع سيتم تطويره والإضافة عليه حسب الإحتياج وحسب الموارد المتاحة، في علم الريادة الحديثة يعرف هذا الأسلوب ب Lean Startup (يمكنك تعلم المزيد حول هذا الأسلوب وكيفية توظيفيه بما ويتماشي مع ظروفك الخاصة من خلال قراءة كتاب Lean Startup  للمؤلف Eric Ries  حيث يعتبر هذا الكتاب من أشهر المؤلفات وأكثرها مطالعة لدى العديد من الرياديين الناجحين على مستوي العالم.)

قمت بإدارة المشروع وتقسيم العمل ومراحل التسليم بناء على المهارات المتاحة لفريق العمل، لتحقيق الفائدة للقارىء فقد قمت بتحميل نفس الملف الذي استخدمته على هذا الرابط حتى يسهل عليك فهم كيفية العمل مع مبرمجين عبر الإنترنت، والأهم التعرف على كل مزايا Linguistify التي كانت على الموقع بشكل أوسع.

موقع Odesk يقوم بحساب عدد الساعات التي يقضيها المبرمج على المشروع ومن ثم يقوم بتسليم الفاتورة إلى حسابك للدفع.

بعد أسابيع قليلة كان Linguistify جاهزا للاستخدام فقمنا بإطلاقه، خلال الفترة الأولى من إطلاق الموقع قمت بإجراء العديد من الاستبيانات مع المستخدمين الأوائل لفهم مستوى القبول ومعرفة أداء الموقع، بعض تلك الأسئلة قمت بتحميلها علي هذا الربط.

 الدروس التي تعلمتها

Linguistify لم يستمر وقد قمت بإيقافه بعد حوالي 9 أشهر من تاريخ الإنطلاق، عدة أسباب كانت وراء ذلك القرار لعل أبرزها وأكثرها فهماً هي أن الموقع لم ينتج الإيرادات المتوقعة بالإضافة إلي عدم قابليته للتطوير في البيئة التسويقية التي أنشىء أساسا على ضوئها، أعني ليبيا.

أهم الدروس التي تعلمتها في هذا التجربة ان دراسة الجدوى تختلف من سوق لأخر، عندما أجريت دراسة الجدوى في طرابلس افترضت أن نفس الظروف ستلائم أي سوق أخر، قمت بتسويق Linguistify في دول مجاورة مثل تونس، مصر وحتى في إسبانيا، كان النجاح والقبول نسبيا.

الدرس الاخر هو ضرورة إيجاد المستثمرين لضمان استمرار المشروع، الدعم المادي مهم فهو يتيح للريادي استغلال وقته الخاص في التطوير والتحسين من أداء المشروع، مع Linguistify لم أشتغل كثيرا في إيجاد الممول المناسب، إن وجد أساسا!

مؤسس مشارك أو Co Founder أحد الأمور الحتمية على كل ريادي، كلنا بحاجة لتلك الجرعة الإضافية من الدعم والإبتكار من أصحاب العقول والتفكير المتشابه.

أحد الامور التي ساعدتني على الأستمرار خلال تلك المدة كانت التوفيق في إنشاء شراكة عمل مع معهد  تدريس خصوصي بسيط في منطقة Arizona  في الولايات المتحدة الأمر الذي أتاح للموقع الحصول على بعض الإيردات المالية. عند البحث عن شريك قم بالبحث عن المؤسسات التي تقاسمك نفس الأهداف الربحية فستجدها على الأرجح ذات قابلية للتفاوض والحوار. إذا استصعب عليك البدء في إنشاء علاقات فقم باستثمار بعض المال للتعيين شخص متخصص ومتمرس في هذا المجال، PR!

أتمنى أن تكون قد استمتعت بقراءة تجربتي مع Linguistify، أتطلع لقراءة ردودكم والاستماع إلى  تجاربكم الشخصية وخاصة تلك التجارب التي لم يكتب لها الإستمرار فهي التي تضع حجر الأساس لمشاريع أكبر وأنجح.

معاذ الرقيعي، استشاري في التسويق الالكتروني وتطوير الأعمال، يسعي في مدونته الشخصية إلي إثراء المحتوي العربي ومشاركة خبراته لتحسين أداء المؤسسات بالشرق الأوسط.

للتواصل:
المدونة: www.moadrgeyi.com
Twitter: @moadrgeyi
LinkedIn: uk.linkedin.com/in/moadrgeyi

إن كان لديك قصة نجاح أو فشل تودّ مشاركتها مع قراء مدونة ناسداك، أرجو التواصل عبر صفحة اتصل بنا في الأعلى

عن محمد حبش

يمكنك متابعة المدونة أيضاً عبر فايس بوك، تويتر، التغذية، و النشرة البريدية

شاهد أيضاً

DHL .. وحش البحار لا يجب أن ينام على الرصيف

  صنعت السفن لتمخر عباب البحر، لا أن تجلس على رصيف الميناء. هذه الحقيقة هي …

تعليق واحد

  1. عبدالله محمد باشير

    السلام عليكم
    هل يمكن ارسال اميل الاخ/ معاذ الرقيعى لكى اتواصل معه مباشرة حول تجربته فى ريادة الاعمال.
    شكرا

    عيدالله محمد ياشير
    طالب دكتوراه

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: