القاعدة الذهبية .. لماذا تشتري الصين الذهب ؟

A sales representative poses behind a 24K gold dragon, December 6, 2011.
في حال قامت الصين بتحويل جزء لا بأس به من احتياطاتها الاجنبية البالغة 4 تريليون دولار الى ذهب فإن عملة البلاد يمكن ان تصبح قوة غير متوقعة في النظام المالي العالمي الحالي. هذا بالطبع يمكن ان يكون بمثابة مغامرة بالنسبة للصين ان تستخدم جزء من احتياطاتها لشراء مايكفيها من الذهب لتحل محل الولايات المتحدة الامريكية كاكبر بلد يملك احتياطي من الذهب النقدي( بلغ اجمالي ماتملكه الولايات المتحدة من ذهب في ربيع 2014  حوالي 328 مليار دولار ) أما تكلفة هذا الاجراء ستكون قليلة خاصة فيما يتعلق بفقدان الفائدة وتكاليف التخزين . اما بالنسبة للعالم الخارجي فإن اسعار الذهب سترتفع بشكل مؤكد لكن هذا الارتفاع سيكون في فترة الشراء. لكن من المرجح ان تعود الاسعار للتراجع فور وصول الصين لهدفها.

بشكل اشمل-العودة الى أي شكل من قاعدة الذهب – ليست موجودة بذهن وآفاق أي شخص . لكن هذه العودة لديها بعض المناصرين الذين لا يؤيدون النقود الورقية ونظام سعر صرف الحر. مع ذلك يمكن للذهب ان يكون مطلوبا لامتلاكه بعض الخصائص الخاصة التي لاتمتلكها العملات الاخرى باستثناء الفضة. لأكثر من ألفي سنة يمتلك الذهب خاصية القبول النفسي غير المشروط كوسيلة للدفع. اضافة لذلك لايتطلب ضمانا من اي طرف ثالث. لا اسئلة تطرح عندما يكون الذهب او مطالبة مباشرة بالذهب لدفع الالتزامات. لكونه كان يمثل الوسيلة الوحيدة للدفع، على سبيل المثال المصدرون الى المانيا كانوا يقبلون بالذهب كوسيلة لدفع مستحقاتهم في الحرب لعالمية الثانية.

إن قبول العملة الورقية اليوم ( العملة غير معتمدة على اصل ذو قيمة ذاتية) كعملة معترف بها وتضمنها الدول ذات السيادة و تستخلص من قدرة الدولة على فرض ضرائب، ولكن الضمان من الدولة أثناء الازمات ليس له خاصية القبول الدولي كالذهب .

اذا كان الدولار او اي عملة ورقية اخرى لها قبول دولي بشكل دائم فإن البنوك المركزية لاتجد حاجة للاحتفاظ بالذهب. في الواقع هذا يدل على ان مثل هذه العملات ليست بديلا مقبولا لدى الجميع . ومن بين 30 دولة متطورة مساهمة في صندوق النقد الدولي فإن اربع دول ليس لديها احتياطي ذهب في محزون الاحتياطيات.

في الواقع وفقا لسعر السوق الذهب المحتفظ به من قبل البنوك المركزية في الدول المتطورة يساوي 762 مليار دولار بتاريخ 31 كانون الاول 2013 مايعادل 10.3 % من اجمالي احتياطياتها. ( يملك صندوق النقد الدولي 117 مليار دولار اضافية). بكلمات الاقتصادي البريطاني جون ماينرد كينز الذهب هو بقابا البربرية اي الحقبة القديمة فالبنوك المركزية في العالم لا ترغب بالاحتفاظ بالاصول التي يكون فيها معدل العائد متضمنا تكلفة التخزين سالب .

واجهت صانعوا السياسات حالات عدة فكروا خلالها ببيع الذهب. في عام 1976 على سبيل المثال شاركت كرئيس للمجلس الاستشاري الاقتصادي . في المحادثة التي شارك فيها كل من وزير الخزانة الاميركية ويليام سيمون و رئيس مجلس النقد ارثر برن التقوا خلاله مع الرئيس جيرالد فورد لمناقشة مقترحات سيمون التي كانت تنص على ان تقوم الولايات المتحدة ببيع 275 مليون اونصة ذهب وتستثمر المبلغ في اصول تعود لها بالفائدة. حيث اتبع سيمون وجهة نظر الاقتصادي ميلتون فريدمان التي تنص على ان الذهب لم يعد له اي فائدة نقدية، بينماجادل برن بان الذهب يشكل ضامن اساسيا للدولار اوقات الازمات. المستشارون لم يكونا قادرين على الوصول الى ارضية مشتركة وفي النهاية قرر الرئيس فورد بعدم القيام باي شيء. ومن يومها فإن مخزون الولايات المتحدة من الذهب تغير بشكل قليل جدا مقدرا بحوالي 261 مليون اونصة.

واجهت القضية ذاتها مرة اخرى عندما كنت رئيسا للبنك الفيدرالي الاميركي في لتسعينات، بعد انخفاض اسعار الذهب الى مادون 300 دولار للاونصة. خلال الاجتماع الدوري لمجموعة 10 فإن محافظوا البنوك المركزية اتفقوا على اتباع رغبة اعضاء الاوروبيين لتخفيض مقتنياتهم من الذهب. لكن كان لديهم خشية من ان المنافسة فيما بينهم على البيع قد تؤدي الى انخفاض اسعار الذهب اكثر فاكثر. توصل المجتمعون الى اتفاق مشترك يحدد من سيقوم بالبيع والكمية التي ستباع وزمن البيع. وامتعنت واشنطن عن التصويت على هذا الاتفاق. جدد الاتفاق في عام 2014 . في الخطاب المرافق لاعلان الاتفاق البنك المركزي الاوربي صرح بان الذهب سيبقى عنصر اساسي هام في الاحتياطيات النقدية الدولية.

من الواضح بان بكين ليس لديها اي رؤية ايديولوجية للاحتفاظ بالذهب . من عام 1980 حتى عام 2002 فإن السلطات الصينية قد احتفظت بحوالي 13 مليون اونصة . وقد عززت احتياطياتها الى حوالي 19 مليون اونصة في كانون الاول عام 2002 والى حوالي 34 مليون اونصة في نيسان 2009 وفي نهاية عام 2013 اصبحت الصين خامس اكبر دولة لديها احتياطي ذهب بعد كل من الولايات المتحدة التي تملك حوالي 261 مليون اونصة تاتي بعدها المانيا لديها 109 مليون اونصة في المرتبة الثالثة ايطاليا (79 مليون اونصة) وفرنسا لديها 78 مليون اونصة في حين يملك صندوق النقد الدولي 90 مليون اونصة.

مهما راكمت الصين المزيد من الذهب تبقى هناك مسألة كبرى غير محلولة: هل بمكن وجود اسواق مالية حرة مع دولة سلطوية . لقد حققت الصين خطوات متقدمة على المدى الطويل من المبادرة الاولى للزعيم الصيني دينغ . حيث اقتربت من تحقيق الهدف الخيالي بالاقتراب من مستوى الناتج المحلي الاجمالي للولايات المتحدة حتى ولو من ناحيةحسابه على طريقة القوة الشرائية . لكن في الذهاب الى ابعد من ذلك فإن اجمالي ماحققته الصين في السنوات الاخيرة سوف يصبح من الصعب الاستمرار بنفس المستوى.

وبالتالي فإنه يبدو من الصعب على الصين وخاصة في السنوات القليلة القادمة ان تنتجح بتحقيق مستوى اعلى من مستوى الولايات المتحدة من الناحية التكنولوجية والسياسية والاقتصادية . مع ثقافة السياسة التقليدية لاتترك مجالا لاي فكرغير تقليدي . بالتعريف فإن التطور يحتاج للنهوض خارج حدود المعرفة التقليدية والذي يكون دائما صعب في مجتمع يقيد الرأي والتصرف.

حتى تاربخه تبقى بكين قادرة على الحفاظ على سياسة ناجحة ومجتمع مستقر سياسيا ذلك لانه بشكل اساسي القيود السياسية لدولة الحزب الواحد تم التخفيف من آثارها طالما ان الدولة قادرة على اعطاء نمو اقتصادي ومادي جيد. لكن في سنوات القادمة لن تكون الحالة كما هي اليوم فمعدل النمو الصيني يتباطئ والميزات النسبية تتراجع.

تأليف: آلان غرينسبان .. عراب التيسير الكمي و الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي
ترجمة: إيفلين المصطفى
المصدر 

عن محمد حبش

يمكنك متابعة المدونة أيضاً عبر فايس بوك، تويتر، التغذية، و النشرة البريدية

شاهد أيضاً

الاستثمار في الانترنت

الاستثمار عبر الإنترنت

  دخلت الإنترنت العالم العربي في أواخر التسعينيات، تحديداً 1997 وكانت حكراً على فئات قليلة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: