عندما أصاب غرور التقنية شركة S.D

يصف بيتر كابوك مدير الجودة نظرة شركة الحاسب الدولية S.D لعملائها فيقول: “كنا نحدد للعملاء ما يمكنهم الحصول عليه وما لا يمكنهم الحصول عليه أيضا. كنا نعمل وفق معاييرنا الخاصة، فلا نأبه بعميل، ولا نفعل إلا ما نريد”. كنا نظن أن في خبرتنا التنقية وحدها ما يكفي لإدراك احتياجات العملاء. ويبدى مدير أخر دهشته مما لاحظه من أوجه شبه ضعيف بين S.D ومؤسسات الأعمال الجادة لدى التحاقه بها في نهاية الثمانينيات فيقول: أكثر ما أذهلني أن الربح لم يكن هدف ا، والخدمة ليست بما يستحق العناء. لقد أنفقنا الكثير على تقنيات لا لزوم لها – ليس بالنسبة للعميل على أية حال – بل كنا نفعل ما يروق لنا فقط”.

لم تكن شركة S.D بحاجة للتجاوب مع قوى السوق، إذ كانت وحدة مكونة من ١٥٠٠ موظف تتبع مصرفا عالميا وتخدم فروعه المختلفة، وكونها المورد الوحيد لمصرف دولي ضخم فقد كان عميلها مضمونا وربحها مؤكدا. من هنا تساوى رضا العميل عن خدماتها وسخطه عليها، حيث أدى كون العملاء – وهم موظفو المصرف – تابعين لذات المنظمة الأم إلى إحساس S.D بأنها لا تخدم عميلا . فانكب مديروها على الداخل، واتجهت طموحاتهم صوب توسيع الحيازة الإدارية وتعزيز المكانة الشخصية.

كانت الحواجز القائمة بين القلاع الوظيفية في S.D من القوة بحيث لم يعتبر موظفو الوحدات المختلفة أنفسهم يعملون لنفس المنظمة، ويقول كابوك: “إذا ذهب موظف من وحدة ما إلى زميل له طالبا العون، كان ذلك يعد من قبيل المضايقات، ولم يكن هناك من يحفل بتأثير ذلك على التكلفة”.
بالطبع أثار سلوك S.D حفيظة عملائها، ولكن خلال الثمانينيات – حين كان منحنى ازدهار المصرف آخذا في الصعود – لم تنفجر براكين الغضب من أفواه مدير البنك المسئولين أيضا عن إدارة الشركة.

وعندما حل الكساد وانكمشت الأرباح وزاد منافسو البنك، بدأت إدارة المصرف تهتم بالقيمة الحقيقة لما يقدمه موردوها. ومع هبوط إيرادات المصرف وقيمة أصوله، وتعيين رئيس جديد، تحول الغليان الصامت إلى ثورة عارمة، واستعان الرئيس بشركة استشارية لتقييم نظام المعلومات في المصرف، فأكدت الوكالة ما توقعه أشد المتشائمين حيال مستوى الإدارة والخدمة في S.D ، وعن هذه الفترة يقول مديرها: “لقد كنا نحتضر.” لم تخرج الاستجابة المبدئية للمصرف عن المعتاد، فقد ترتب على رغبة قيادته في تحسين الخدمة أن أرسلت جميع العاملين في S.D إلى برنامج تدريبي حول خدمة العملاء مدة يوم واحد. ولم يكن فشله بمفاجأة. ثم اختار المصرف قائدا جديدا لخدمات المعلومات المركزية هو (توماس هنريخ) الذي يحمل إضافة لخبرته العريضة في العمل المصرفي شهادة الماجستير من جامعة هارفارد، وكانت مهمته إعادة الحيوية إلى نظام المعلومات المركزي وخدمات S.D.

أدرك (هنريخ) عمق الخلاف بين عملاء S.D ومديريها حول تعريف قيمة الخدمات، فبدأ يقنع المديرين بتبني وجه نظر العملاء، ثم قرر اختصار مراكز التقنية بالمصرف إلى ثلاث، من بينها S.D . وقد مثل ذلك تخفيضا كبيرا للنفقات. وخلال سنة واحدة كان عدد العاملين في S.D في حدود ١٠٠٠ موظف بدلا من ١٥٠٠ . استعان (هنريخ) بواحد من أنشط مرءوسيه (جاك فنفولد) وعينه مديرا لعمليات الحاسب الدولية للإسراع بمزيد من التغيير الجذري على أساس مفهومين وضعهما هنريخ نفسه، وهما:

١- يجب على S.D تسويق منتجاتها وخدماتها لعملاء خارجيين بالإضافة للمصرف.
٢- سيتاح لجميع وحدات المصرف خلال سنتين أن تحصل على خدمات الحاسب ونظم المعلومات من موردين خارجيين.

رحب فنفولد بالتحدي معتقدا – كباقي موظفي S.D أن لديهم بالفعل ما يمكن بيعه، وأنهم الأفضل، وهو ما اعتبره فنفولد بعد فترة من الزمن دليلا على ما كانت عليه الشركة من غفلة مطبقة. كون (فنفولد) لجنة من المديرين المخضرمين لأداء المهمة الشاقة، ونظرا لافتقارهم للخبرة التسويقية فقد استقدم عددا من الخبراء الذين رشحتهم شركة دولية للاستشارات.

غابت اللجنة عن الأنظار يومين في اجتماع لوضع خطة عمل، ولم تسعف أعضائها خبرتهم الضئيلة في السوق والأعمال، فأعدت لهم المجموعة لاستشارية خطة. لم يكن في الخطة مدخلات من قبل المديرين أو العاملين أو العملاء، ولا كانت هناك معرفة بالسوق أو معلومات من داخل S.D، أو مناقشة لما يجرى فيها من عمليات.

استعانت S.D بشركة استشارية أخرى لتقييم مديري الصف الثاني في الشركة، وفي غضون بضعة أشهر ذهب ٢٢ من كبار المديرين بلا رجعة. ولكن قرارات الفصل التي اتخذتها S.D كانت عشوائية، بحيث بقى عدد من المديرين بغير داع، واختفى آخرون رغم الحاجة إليهم. حاول (فنفولد) عندئذ تطبيق إدارة الجودة الشاملة كي تتحول S.D إلى منافس على مستوى عالمي، وهو ما بدأه بورشة عمل مدتها ثلاثة أيام لتدريب أعضاء اللجنة الإدارية. وقد حدد المستشارون لهم ثمانية عناصر للتغيير بدءا بالالتزام وانتهاء بالتجديد المستمر. وبدلا من النظر إلى هذه العناصر كوحدة متكاملة فقد أوكلت اللجنة لكل من أعضاءها عنصرا من العناصر الثمانية، وهو ما أثار قلق المستشارين، إذ يقتضي التحول عملا جماعيا مشتركا، بينما تمسك المديرون بفكرهم التكنوقراطي الذي تمثل في كيفية مواجهتهم لمشكلات التحول، حيث كان كل منهم عند مواجهة مشكلة يفوض أمرها إلى أحد مرءوسيه.

رافق إدخال برنامج الجودة الشاملة جلبة كتلك التي صاحبت برنامج خدمة العملاء، فساد اعتقاد بأن البرامج التدريبية الجديدة هي بداية التغيير ونهايته أيضا، ثم فوجئ العاملون بإدراجهم في فرق للعمل يتراوح عدد أفرادها بين ثلاثة وخمسة، وبتكوينها لمائة وستين فريقا بين يوم وليلة فقد اختصر S.D الطريق إلى الفشل. حيث عجزت عن جذب العملاء الخارجيين رغم تحسن خدماتها وانخفاض تكلفة منتجاتها، فاستعانت بخبير في المبيعات، وتعهد الخبير عند بدء مهمته بتحقيق ١٣٫٥ دولار مبيعات خلال العام، لكنه لم يبع شيئا. وحين طلبت اللجنة الإدارية منه شرح أسباب الفشل أشار الخبير إلى افتقار الشركة إلى السمعة الحسنة في السوق، مع ارتفاع أسعارها نتيجة لارتفاع التكلفة الداخلية نسبيا، فعلى الرغم من أن الشركة خفضت أسعارها، إلا أن معدلات أسعار خدمات الحاسب الكلي قد انخفض في كل الأسواق.

وعلى الرغم من قيام S.D بتخفيض التكلفة، إلا أن التخفيض لم يكن حاسما بما يكفي للمنافسة. وبعد ثلاثة أعوام من الجهد المتواصل، بلغ الخلاف والاضطراب على مستوى الإدارة العليا نقطة اللاعودة. وكانت تصفية الشركة هي النتيجة الطبيعية.

عن محمد حبش

يمكنك متابعة المدونة أيضاً عبر فايس بوك، تويتر، التغذية، و النشرة البريدية

شاهد أيضاً

10 تقنيات قديمة لازال العالم يستخدمها

  10- ويندوز إكس بي: اصدر عام 2001 لكن لازالت حصته السوقية 30%، المشكلة أن …

2 تعليقان

  1. مشكور على محاولاتك الكبيرة فى اثراء المحتوى العربى
    مجهود كبير
    موفق ان شاء الله

  2. اكثر من رائع لا تعليك شكرا جزيلا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: