الشركات الصغيرة والمتوسطة العمود الفقري للاقتصاد الألماني

 

إذا أردت أن تعرف السر في النجاح الذي يحققه الألمان في الصناعة والتجارة والأعمال، قم بجولة خلال منطقة “شفابيا”، المنطقة التي تحيط بمدينة “شتوتجارت”، الموطن الروحي لما يسمى “ميتل ستاند” الشركات ذات الحجم الصغير والمتوسط التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الألماني.

“ميتل” يعني متوسط. يقول المثل السائر هناك أن مواطن “شفابيا” يبني بيته بنفسه، وإذا توفر لديه مزيد من المال فإنه يبني بيتا آخر، ويرمز ذلك لكونه يريد أن يكون حرا في ماله ونشاطه، لا يريد مالا من غيره ولا نفوذا في دنياه الخاصة من مصدر خارجي.

ممن يمثلون هذه الروح أفضل تمثيل “روبرت بوش” مخترع شموع الاحتراق ( البواجي بالعامية ) التي ما تزال تحمل اسمه، والذي أسس شركة “بوش” سنة ١٨٦٦ ، هذه الشركة أصبحت اليوم رقم ٩ بين كل شركات ألمانيا من حيث الحجم، ولم تعد “ميتل” ولكن روح الابتكار التي أرساها “روبرت بوش” ماثلة فيها ومعها أيضا فلسفته في الأعمال “فقدان المال أهون من فقدان الثقة”.

كان “بوش” يعد عماله جزءا من أسرته، وعندما أرسى سنة ١٩٠٦ مبدأ يوم العمل الذي لا يزيد على ثماني ساعات ونشره في مصانعه، أسماه رجال الصناعة “بوش الأحمر”. وقد كان هنري فورد هو الذي زاد أجور عماله في أمريكا لكي يصبحوا زبائن لمصانعه يشترون سياراتها، لكي يدعم تلك الصناعة.

أما بوش فقد صعد بفلسفته إلى ما وراء ذلك، أقام مشروعات لإسكان عماله وتوفير العلاج لهم ولأسرهم. هذا الاصطلاح “ميتل ستاند” يعني “الشركات المتوسطة الحجم”، ولكن “الطبقة الوسطى” تعبير أكثر دقة. وقد تجد شركة تزيد مبيعاتها على ألف مليون مارك ويعمل بها كلاف من الناس، من النوع الذي يسميه الأمريكان شركات “النمو”، ولكن صاحبها يفاخر بكونها “ميتل ستاند”، تماما كما يفاخر ٩٥ % من الأمريكيين بأنهم ينتمون “للطبقة الوسطى”.

لأن الفيصل في هذا هو “تقاليد” أو “أسلوب” أو “أخلاقيات” العمل التي تتميز بها الروح الألمانية، والشركة التي ينطبق عليها هذا المصطلح – بخلاف الشركة التي لا يظهر وجهها للعموم – تقوم على مجتمع صغير يعيش فيه صاحب الشركة والعاملون لديه، في بلدة يعرفه أهلها جميعا، وعمدة هذه البلدة يحضر مناسباتها واحتفالاتها، وتمتد جذورها عشرات وربما مئات السنين في تاريخها، وقد تكون هي شريان الحياة في تلك البلدة، أما غيرها من وحدات الأعمال فسيكون دكان بقالة يعمل به رجل وزوجته، ومخبز، ومحل للغسيل والكي.

وطبقا لإحصاءات الحكومة الألمانية قبل التوحيد، فإن الشركات التي لا تزيد قوتها عن خمسمائة فرد ولا تزيد مبيعاتها على مائة مليون مارك، تعطي نصف الناتج القومي الألماني وتوظف ثلثي القوة العاملة ولها الفضل في ثلثي الصادرات، ومع ذلك فإن الألمان يصفون بعض الشركات بأنها “متوسطة” أي “ميتل” مع أنها تقع في نطاق حجم مبيعات ٥٠٠ مليون مارك، بل وقد تصل إلى ألف مليون، وهذه الشركات فخورة بأن تكون كذلك.

وصناعة السيارات التي هي أشهر الصناعات الألمانية والتي تتميز بالجودة الرفيعة والخدمة المتميزة تعتمد إلى حد كبير جدا على كفاءة مورديها وجودة منتجاتهم، وأغلب هؤلاء “ميتل”.

التقليد الثاني هو تقليد “المكانة المرموقة” – ال “نيش” كما يسمى، السوق التي تحتفظ فيها الصناعة اسمها ومكانتها وتسيطر عليها في دائرة ما تنتجه. من أمثلة ذلك في الصناعة الألمانية: آلات تشغيل المعادن، ترامف، كارل ماير، فويث. أغلبها يصدر ما يزيد على ٥٠ % من إنتاجه لأنحاء العالم حيث يشتهر بالجودة الرفيعة.

وهذه النسبة تصل أحيانا إلى ٨٠ % و ٩٠ %، وهذا القطاع الصناعي في ألمانيا يعمل به ١.١ مليون فرد، وهو في ذلك يفوق كل ما عداه بما في ذلك صناعة السيارات.

التقليد التالي هو: الإدارة الخاصة وهي الإدارة التي يمارسها صاحب الشركة. وهي لا تعني أن يمارس التحكم والاستبداد، بل فقط لا شيء يتم إلا بموافقته وهو مع ذلك ينتمي للشركة بقدر ما تنتمي هي له.

يلي ذلك: الالتزام، وهو ما يجعل أصحاب البيوت المتوسطة يتمتعون بهذا القدر من الاحترام هناك، صاحب الشركة يتحمل وحده مخاطر العمل
الاقتصادي المستقل، وهو في ذلك يتفوق على المدير الكبير في الشركات الكبرى حيث هو موظف يتقاضى راتبا.

عن محمد حبش

يمكنك متابعة المدونة أيضاً عبر فايس بوك، تويتر، التغذية، و النشرة البريدية

شاهد أيضاً

DHL .. وحش البحار لا يجب أن ينام على الرصيف

  صنعت السفن لتمخر عباب البحر، لا أن تجلس على رصيف الميناء. هذه الحقيقة هي …

4 تعليقات

  1. عندما دخلت الى مدونتك رايت الفترة التي تضع فيها مقالاتك ووجدت انك تضعها بين فترات طويلة جدا انظر الى صفحتك الرئيسية واخر مقال في الصفحة فقد وجدت انك وضعت المقال قبل ١٠٠ يوم وهذا محبط جدا بالنسبة لي فاذا اردت منا المتابعة يجب ان تضع كل اسبوع مقال.

    والان لماذا انتقدك ومالسبب ؟

    باختصار مقالاتك رائعة ومفيدة ونحب ان نستفيد من خبرتك بل وسننشرها بين اصدقائنا ان اعجبتنا فقط تشجع وارسل كل اسبوع مقال وعن نفسي سانشرها في قروب فيه ٣٠٠٠ مشترك

    تحياتي – اخوك سالم

    • تحياتي لك اخي سالم

      معك حق، بالبداية كنت اتقصد ان اطيل الفترة بين المقال والمقال، عادة كل اسبوعين مقال، وهناك حوالي 15 مقال بالصفحة اذن بين اول واحد والاخير هناك 100 يوم تقريبا، وهذا كان لأن المدونة كانت حديثة العهد بكونها متخصصة لذا فمن الهدر ان انشر عدد كبير من المقالات في فترة قصيرة.

      الان والحمد لله اصبح لها القراء يزدادون فاصبح هناك كل 3-5 ايام مقال

      شكرا لمساهمتك بنشر المقالات في القروب، ارجو ان تضع لهم رابط المدونة ايضا ليتسنى لهم التبحر فيها، وشكراً لنقدك الذي اطلبه

  2. شكرا لك اخي محمد على مقالاتك المفيدة وبانتظار جديدك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: