الامتحانات .. تحدٍ لقدرات الطالب الخارق أم تقييم لتحصيله العلمي ؟

بداية ومن المنطقي أنه يفترض بالامتحانات أنها نظام تقييمي و رقابي لمدى تحصيل الطالب العلمي عن طريق  تحديد علامة معيارية يتم المقارنة بها للنجاح أو الرسوب، لكن من المنطقي أيضا أنه عندما تحدث الانحرافات  فيجب اتخاذ الإجراءات التصحيحية حتى لا تتكرر تلك الأخطاء في التقييم .

هذا كان من حيث المنطق، لكن أنظمتنا التعليمية تملك كل شيء إلا المنطق ، فهي تملك صقل مهارات الطالب  وجعله خارقا في البصم والحفظ و حشي عقله بالمعلومات ، وهي رائعة بإظهار قدرة الدكتور بفن طرح الأسئلة  التي تكشف أولئك الطلاب الكسولين عن الشاطرين ولو كان الفرق درجة واحدة فقط.

قمت أثناء حياتي العلمية بآلاف الامتحانات و ربما دخل عقلي ما يزيد عن مليون كلمة و ألف شكل و مئة رسم توضيحي . ويجمع الطلاب على أنهم لا يرسخ في ذهنه ما يزيد عن 1 % في أحسن الأحوال من المادة العلمية التي امتحنوا فيها، بل أحيانا يخرج الطالب من قاعة الامتحان وتتبخر كل المعلومات.

ذات يوم شاهدت رسما كاريكاتيراً عن النظام التعليمي في سورية والذي مثل على شكل كتاب مقلوب على  دفتيه ويدخل الطلاب من بوابة النفق ليخرجوا من الطرف الثاني حميراً ! ، ربما تشبيه مؤلم لكنه يحمل شيء من  الواقعية والتي نلمسها كل يوم وفي كل امتحان .

المشكلة تكمن في النظرة القاصرة لطبيعة الامتحان ، وينظر إليه من السطح .. نعم أسئلة و طلاب و أوراق .. لا  ينظر إليه على أنه ترسيخ للأفكار التي درسها الطالب في المقرر، ليس مطلوبا أن تبقى هذه المعلومات في عقله إلى الأبد ، لكن من البديهي أن يحتفظ بشيء معقول منها .

ذكر لنا ذات مرة دكتوراً في الجامعة أن الامتحان في إحدى الدول الأوربية قد يأتي قبل انتهاء المقرر العلمي  المطلوب ، يقدم الطلاب امتحانهم فيما أخذوه ، ومن ثم يتابعون الدروس حتى ينتهي المقرر العلمي . وفي ذلك  عبرة لأن هرمية المقررات واعتمادها على بعضها يتطلب هذا التصرف ، حيث لا يمكن أن يدرس الطالب ويفهم  مقرراً في الفصل القادم إن لم ينتهي هذا المقرر بشكل كامل . ترى لو طبق هذا الأمر عنا.. كم طالب سيستمر  في حضور باقي المقرر بعد الامتحان ؟

نأتي للدكاترة وتفننهم في قهر الطلاب ولا اذكر الجميع هنا، الحق يقال أن نسبة ضعيفة من الأساتذة تهدف من  امتحاناتها وأسئلتها إلى اختبار قدرة فهم الطالب ومدى تحصيله وعمق تفكيره ، ويتجلى ذلك من طبيعة الأسئلة  ، بينما لا يكلف نفسه بعض الأساتذة إلى وضع أسئلة للمقرر حتى و يطبع نسخة من أسئلة العام القادم .

قد تعتقد بأن طبيعة المقرر تستلزم من الأستاذ نمط معين من الأسئلة، لا اتفق معك كثيرا، لأن هناك العديد من  المقررات النظرية البحتة التي تم تحويلها من خلال أسلوب جديد في طرح الأسئلة إلى مقررات تحمل قسما جيدا من الفهم بدلا عن البصم الذي يطير من المخ .

يعمد بعض الأساتذة إلى ما يسميه الطلاب الأسئلة التعجيزية في سبيل قهر الطالب وتكسير معنوياته و تحطيم  كل أمل في نجاحه وذلك خاصة في حالة الأعداد الكبيرة من الطلاب والقوانين التي تحكم العملية الامتحانية حيث  تكتفي بنسبة 20 % من الطلاب ناجحين حتى يعتبر الأمر قانونياً، ومرة واجهنا أحد الأساتذة و اعترف بأنه  شخصيا لو طرحت عليه هذه الأسئلة في الامتحان لما عرف الإجابة عليها .

تختلف أنظمة التقييم بحسب الجامعات أو المدارس و كلما زادت تجزئة العلامة من خلال عدد من الاختبارات  الجزئية والشفوية كلما كان أفضل للطالب لتدارك وضعه وتقصيره وأيضا إمكانية تحصيل علامة أعلى ، حيث عندما  تقدم امتحان يحوي مئة سؤال بمائة علامة وعلى مدى تسعين دقيقة ستكون حظوظك بالنجاح أقل والضغط عليك  اكبر مما لو دخلت هذا الامتحان وفي جعبتك ثلاثون علامة وبحاجة لمثلها . هذا التقييم يعتبر أكثر عدالة بحيث يتم  استغلال مسيرة الطالب خلال الفصل الدراسي و يقدم اختبارات صغيرة أو حلقة بحث وما إلى هنالك.

أخيرا و حتى نخرج بحل . من الضروري جداً إعادة النظر في النظام الامتحاني المعمول فيه والعمل على ترتيب  نظام امتحاني جديد يكون أكثر عدالة و توفير بيئة قانونية تضمن عدالة التقييم لتحصيل الطالب بدون أن تشكل تحد  لقدراته الخارقة ولا أن تكون متساهلة معه لدرجة أن يدرس أسئلة عام سابق ويحرز النجاح.

هذا التعديل يجب أن يكون تدريجيا كما فعلت وزارة التربية في تحديث المناهج وبخاصة مناهج اللغة الانكليزية  للمدارس ، الآن الوضع أفضل بكثير  و كم أتمنى لو كانت على أيامنا كتب الانكليزي غنية كما هي اليوم ، يمكن  لوزارتي التربية و التعليم العالي أن تصمم أنظمة امتحانيه جديدة وتدخلها في مدارسها وجامعاتها ، و ستعود  بالنهاية على جودة مخرجاتها من كوادر تملك حصيلة معرفية وعلمية لا تحتاج لدورات علمية إضافية لتندمج مع  سوق العمل بها .

عن محمد حبش

يمكنك متابعة المدونة أيضاً عبر فايس بوك، تويتر، التغذية، و النشرة البريدية

شاهد أيضاً

المعضلة الأخلاقية للطبقات الوسطى العربية

لا يوجد طريق وسط إن مظاهر العنف التي اجتاحت الشرق الأوسط شتت انتباه العالم من …

10 تعليقات

  1. ألا ليت أن يصل هذا المقال إلى أصحاب المسؤوليات والمعنيين بهذا الخصوص.
    جهد أكثر من رائع.
    شكراً للعبقري محمد حبش

  2. اشكرك على هذة المدونة الرائعة

    • اهلا بك هنا ضيفا عزيزا واتمنى معاودة الزيارة … حجزت كرسيا لك في الصف الثالث . مناسبا أليس كذلك ؟

  3. ومن المهم أن يفهم الجميع أن المهمة الحقيقية للمؤسسات التعليمية هي تعليم الطلاب ثممممم تقييمهم ..

    فالتقييم لهم أيضا ..وعجز الطالب فشلهم لافشله!!

    • عندنا المؤسسات لا تعلمه جيدا وايضا لا تقيمه بشكل سليم ، و المضحك انها تدرسك كيف تقيم أداء الموظفين ضمن احد المقررات .. وهي لا تعرف ان تقيم طلابها بشكل سليم

      اهلا د.سمر .. زيارتك غالية لمدونتي

  4. شكرا جزيلا على هذة المقالة الجميلة

  5. شكرا على مجهودك الرائع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: