الأميرة والعصفور

كانت تجلس كل يوم على شرفة منزلها … تراقب من الأعلى بخيلاء أميرة .. تنظر للشمس فتخجل منها غاربة كل يوم .. تمد يدها للنجوم .. للقمر والسماء … تداعب الريح رقبتها بنعومة تنثر عبيرها في الأرجاء … يبقى حتى صباح اليوم التالي وما أن يخف حتى تظهر ثانية لتعلن تواجدها الأبدي على هذه الشرفة

عصفور يسبح في الفضاء مر بجوار قصرها .. له جناحان رائعان بريشات براقة والوان رائعة . كان مخلوقآ ليحلق في سماء الحرية , ويدخل السرور  إلى قلوب هؤلاء الذين يراقبون تحليقه .. فتنت الأميرة بالعصفور .. شاهدته يطير مندهشة حتى حدود الانبهار , وقلبها يخفق بجنون , وعيناها  تلمعنا من شدة الانفعال . دعاها العصفور لمرافقته . وطار معآ وهما في كامل الانسجام . كانت متيمة بالعصفور , تحتفي بجماله طوال الوقت .

لكنها فكرت ذات يوم ” ترى هل يتوق الى اكتشاف جبال بعيدة ؟ ”  خافت , خافت أن يرحل وألا تقع فى الحب مرة ثانية , أحست بالغيرة , غارت من قدرة العصفور على الطيران .. أحست انها وحيدة

فكرت في المرة المقبلة , حين يظهر العصفور سأنصب له فخ وهكذا لن يتمكن من الطيران مجدداً … عاد العصفور  الذى كان  آيضاً مفتونآ بها , لرؤيتها فى اليوم التالي , فوقع فى الفخ وحبسته في قفص ..

كانت الأميرة تراقبه بشغف  كل يوم وتعرضه أمام صديقاتها فيهتفن , ما أسعدك وما أوفر حظك ! ومع ذلك , بدأت الامور تتغير بشكل غريب , بما أن العصفور صار ملكها ولم تعد بحاجة لأن تعمل على كسب وده , لم تعد  تهتم به . والطائر الذى لم يعد بإمكانه التحليق والتعبير عن معنى لحياته , بدأ ريشه يذبل ويفقد بريقه , ويتحول جماله الى قبح . ولم تعد  توليه أي إهتمام , بل اقتصرت عنايتها به على اطعامه وتنظيف قفصه

استمر حال العصفور هكذا حتى مات ذات يوم فحزنت الأميرة للغاية , ولم تكف عن التفكير فيه . لكنها لم تكن تتذكر قط القفص . تذكرت فقط اليوم الذي لمحته فيه لأول مرة , وهو يطير بعيدأ محلقأ فوق الغيوم .. يرقص بخفة ويدور .. يصيح بصوته العذب ..

لو انها استجابت لدوافع مشاعرها كما ينبغي , لأدركت ان الشئ الذي أثار إنفعالها عندما التقت العصفور كان حريته , والطاقة الكامنة فى جناحيه , وليس حسن شكله الخارجى
فقدت حياتها معناها عندما فقدت العصفور . وجاء الموت يقرع بابها .

سألت الأميرة الموت :
– لم جئت ؟
فأجاب :
-لكي تتمكني من الطيران معه مجددآ فى السماء , لو أنك تركته يرحل ويعود في كل مرة . لكنت استطعت كسب وده , ولازداد أعجابك به اكثر فأكثر . من الآن فصاعداً , انتِ في حاجة إلي لكي تقدرى على استعادته

وهكذا اصبح العصفور بعيداً عن عيناها … وكما يقال .. البعيد عن العين .. بعيد عن القلب .. قول خاطئ فكلما ابتعدنا أكثر أصبحت العواطف التى نحاول خنقها و نسيانها أقرب الى القلب . إذا كنا خلف الجبال البعيدة في غربة أردنا الاحتفاظ بأدنى ذكرى عن جذورنا ووطننا ، و اذا كنا بعيدين عمن نحب ..  كل شخص يمر في الشارع يذكرنا به … كل صوت نسمعه يذكرنا بصوته وكلامه .. كل رشة عطر تمر عبر خياشيمنا تؤكد بأنها رائحته ولايمكن ان تضيع بين ملايين الروائح الأخرى ..

ترى هل يمكن ان نحيا ومن نحبه بعيد عنا ؟ أم أن الحب يعيش رغم كل شيء .. رغم المسافات .. رغم فروق الزمن … يكفي ان نحي ذكراه في قلوبنا حتى يحين اللقاء ؟

عن قصة صينية

عن محمد حبش

يمكنك متابعة المدونة أيضاً عبر فايس بوك، تويتر، التغذية، و النشرة البريدية

شاهد أيضاً

المعضلة الأخلاقية للطبقات الوسطى العربية

لا يوجد طريق وسط إن مظاهر العنف التي اجتاحت الشرق الأوسط شتت انتباه العالم من …

8 تعليقات

  1. I wonder if there is similar story in the Arabic literature or Syrian folklore stories in the region. If not, this could explain the missing link why the people in this area are not eager to get their freedom and very tolerant to tyranny. I hope someone will remind us with some of these local stories similar to the one you have posted.

  2. Just passing by.Btw, your website have great content!

    _________________________________
    Making Money $150 An Hour

  3. بلال :: ربما في تاريخنا العربي قصص كثيرة تحمل عبر مهمة وبعض منها تسرب لنا عبر كتب الدراسة في المرحلة الابتدائية لكن هناك نقص كبير برأي في هذا المجال والذي يعتبر البنية الرئيسية في تشكيل شخصية الانسان خصوصا من مرحلة الطفولة

    اشكر تواجدك هنا عزيزي

    Mike : welcome ! i wish you come a visit my blog again

    waiting for you

  4. قصة جميلة وتدوينة اجمل شكرا لجهدك

  5. قصة جميلة للغاية ، وهي تذكرني بمثل يقال عن الحب وبأننا يجب أن نطلق لأحبتنا العنان وندعهم يرحلون فان عادوا لنا فهم لنا وأحبتنا وان لم يعودا فهم لم يكونوا لنا منذ البدء، نعم اطلق حبك ، أعطه حريته، دعه يشاهد العالم ويلف الكون، (أعلم بأن القول أسهل من الفعل) ولكن يجب أن تؤمن بذلك ، نعم أن تؤمن ايمانا كاملا لا تشوبه شائبة، بأنه ان كان لك فسوف يرجع، no matter how far he goes but he will come back.

  6. سعيد بتعليقك عائشة
    نعم فالحب كعصفور حر بين يديك ، اطلقيه للسماء ، لو كان من نصيبك فسيعود لك حتماً

    كل الود

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: