زهرة الصدق

زهرة الصدق

في غابر الزمان .. كانت هناك امبراطورية واسعة عظيمة ذات هيبة وصولة وجولة وكان ملكها يقاوم مرض عجيب ولم يدع طبيباً ماهراً إلا وقد فحصه لكن دون جدوى تذكر … استمر انتظاره قليلاً حتى جائه الموت غير متأخر وخطفه من شعبه واسرته ..

كان للملك ولد واحد سيصبح لاحقاً الملك الجديد لكنه كان عاذباً وهذه العثرة الوحيدة التي تقف امام تتويجه على العرش ، حيث كانت الدساتير تشترط أن يكون الملك متزوجاً .. وبعدما جمع الحكماء والمستشارين رأو بأن تتقدم جميع الفتيات في موعد محدد حتى يختار الامير زوجته منهن

وصل الخبر إلى سيدة عجوز تعمل خادمة في القصر وكانت لها إبنة وحيدة تخبئ حباً دفيناً للأمير ولكنه يبقى خلف الأسوار .. وراء القلب والحراس

عادت لبيتها واخبرت ابنتها بالموضوع وتفاجأت بأنها تحضر نفسها فعلاً للتقدم .. لف اليأس الأم وقالت لإبنتها :

وماذا ستفعلين هناك يا ابنتي ؟ وحدهنّ سيتقدّمن أجمل الفتيات وأغناهنّ. اطردي هذه الفكرة السخيفة من رأسك! أعرف تمامًا أنكِ تتألمين , ولكن لا تحوّلي الألم إلى جنون!

أجابتها الفتاة :
يا أمي العزيزة , أنا لا أتألم , وما أزال أقلّ جنونًا ؛ أنا أعرف تمامًا أني لن أُختار, ولكنها فرصتي في أن أجد نفسي لبضع لحظات إلى جانب الأمير , فهذا يسعدني – حتى لو أني أعرف أن هذا ليس قدري

وفي ليلة الموعد المحدد تقدمت أجمل الفتيات وأكثرهن غنى ومكانة إجتماعية مرموقة تليق بزوجة لملك البلاد

ظهر الأمير محاطاً بحاشيته وعرض مسابقة على الفتيات .. فأعطى كل واحدة بذرة ومنح مهلة ستة أشهر حتى تأتي المتباريات بالنتيجة … ومن تحمل أجمل زهرة ستكون من نصيب الأمير ويتزوجها

حملت الفتاة بذرتها وزرعتها في أصيص من الفخار , وبما أنها لم تكن ماهرة جدًا في فن الزراعة , اعتنت بالتربة بكثير من الأناة والنعومة لأنها كانت تعتقد أن الأزهار إذا كبرت بقدر حبها للأمير , فلا يجب أن تقلق من النتيجة

مرّت ثلاثة أشهر , ولم ينمُ شيء.  جرّبت الفتاة شتّى الوسائل , وسألت المزارعين والفلاحين فعلّموها طرقًا مختلفة جدًا , ولكن لم تحصل على أية نتيجة. يومًا بعد يوم أخذ حلمها يتلاشى ، رغم أن حبّها ظل متأججًا.

مضت الأشهر الستة , ولم يظهر شيء في أصيصها. ورغم أنها كانت تعلم أنها لا تملك شيئًا تقدّمه للأمير , فقد كانت واعيةً تمامًا لجهودها المبذولة ولإخلاصها طوال هذه المدّة , وأعلنت لأمها أنها ستتقدم إلى البلاط في الموعد والساعة المحدَّدين. كانت تعلم في قرارة نفسها أن هذه فرصتها الأخيرة لرؤية حبيبها , وهي لا تنوي أن تفوتها من أجل أي شيء في العالم.

حان موعد الجلسة وتقدّمت الفتاة مع أصيصها الخالي من أي نبتة , ورأت أن الأخريات جميعًا حصلن على نتائج جيدة وكانت أزهار كل واحدة منهن أجمل من الأخرى , وهي من جميع الأشكال والألوان … الأصفر والوردي والأحمر .. الكبيرة والصغيرة .. الواسعة والضيقة … المنتشرة والمنحسرة ..

أخيرًا أتت اللحظة المنتظرة. دخل الأمير ونظر إلى كلٍ من المتنافسات بكثير من الاهتمام والانتباه. وبعد أن مرّ أمام الجميع, أعلن قراره  وأشار إلى ابنة خادمته على أنها الإمبراطورة الجديدة.

احتجّت الفتيات جميعًا قائلات إنه اختار تلك التي لم تزرع شيئًا !

عند ذلك فسّر الأمير سبب هذا التحدي قائلاً :

هي وحدها التي زرعت الزهرة تلك التي تجعلها جديرة بأن تصبح إمبراطورة زهرة الشرف و الصدق فكل البذور التي أعطيتكنّ إياها كانت عقيمة , ولا يمكنها أن تنمو بأية طريقة وقد جئتموني بهذه الزهور من جميع الأشكال والألوان !

عن محمد حبش

يمكنك متابعة المدونة أيضاً عبر فايس بوك، تويتر، التغذية، و النشرة البريدية

شاهد أيضاً

المعضلة الأخلاقية للطبقات الوسطى العربية

لا يوجد طريق وسط إن مظاهر العنف التي اجتاحت الشرق الأوسط شتت انتباه العالم من …

3 تعليقات

  1. الصدق نجاة و أمان..
    قصة جميلة، شكرا.

  2. جميلة جداً أختم بها مسائي، قد أحكيها لساره عندما تكبر قليلاً

    تحياتي لك

  3. احمد ممدوح

    ما اجمل ان نتخذ الصدق والاخلاص اسلوبا فى الحياه التي نحياها رغم كل المعوقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: