موعد مع المجهول … ( 2 )

خرج و في رأسه دوامة من الأفكار تدور وتضطرب ولاتعرف الاستقرار … خرج ليبحث عن المجهول .. نعم انه الجنون بعينه فلا أحد يبحث عن شيء لايعرفه ولكن صاحبنا قَبل بأنه يُتهم بالجنون … واضعاً يديه في جيبه وعيناه تمسح الوجوه بحثاً عن علامة أمل تحيل المجهول معلوماً ولكن جهوده ذهبت هباءاً … يشيح بنظره ويتأمل الناس من حوله .. تجاعيد وتقاسيم عميقة تخفي خلفها تجارب كثيرة توحي لصاحبها بالخبرة في الحياة … نعومة وملاسة تظهر براءة الروح التي تكمن داخل ذاك الجسد .

يدخل طريقاً طويلاً وعلى جانبيه رصيف مفروش بالمصابيح المضيئة والناس من مختلف الأفكار والثقافات ولا أحد منهم يعرف الآخر ، قد يكون بينهم أحداً مثله يبحث عن شيء مهم كرس له وقته وحصر تفكيره فيه هذه اللحظة كما قد يكون هناك من لايجعل للأمر أهمية تذكر ، وعلى الجانب الآخر من الطريق كتل من البشر تسير على هيئة أزواج من أجناس مختلفة …

يأخذ نفساً عميقاً ويخرجه فيذهب معه شيئاً ما كان بداخله .. ربما شعور غريب يراوده من زمن .. يتنهد وتتغير شكل عاصفة الأفكار التي كانت تضرب عقله .

يكمل مشواره والأصوات تمتزج من حوله بلغات ومفردات عديدة لكنها لا تكاد أن تغطي صوت صمته الحبيس داخل صدره ، ذاك الصمت الأسير منذ الخليقة .. ينتظر طويلاً  لحظة الإفراج .. يقنع نفسه بأن تلك اللحظة قادمة عاجلاً كان أم آجلاً ولكن رغبة خفية بداخله تبعد تلك القناعة .

تهب نسمة خفيفة تلفح وجهه تحمل في ثناياها عطراً غريباً مكون من مزيج عطور كل من صدمته في طريقها وأخذت جزءاً .. يجلس إلى كرسي خشبي ويشطح بخياله بعيداً فيحول الأشجار العالية البائسة من حوله إلى أعمدة ضخمة تحمل كياناً عظيماً ، ويرسم من الظلام المنثور على صفحة السماء الكالحة فوقه لوناً نقياً يضيئ به هذا الكيان ، ويجعل من موعده هذا كياناً عظيماً محمولاً كنعش فوق أكتاف تلك الأشجار .

تمر من أمامه طفلة  تقطع ببراءتها تسلسل خيالاته و بتصرف لا إرادي يلقي إليها ابتسامة صغيرة لكن صادقة .. لا تعيره أي اهتمام وتسرح للأمام مدحرجة كرة … يأتيها صوت مزدوج من الخلف يشير عليها بأن تنتبه جيداً .. ينظر إليهما بفضول … يغمض عينيه ليستمتع بذاك المنظر أطول فترة ممكنة .

يطلق سراح الكرسي وينهض ليواصل رحلته … يلقي نظرة على الوجوه الشاحبة فلا يجد فيها ما يستحق الاهتمام ويسأل نفسه هل يبادلني أولئك نفس الإحساس ؟ … ترى هل يرون على وجهي ما يخفيه روحي … ام انهم لا يميزونني أبداً كطيف عابر .

يدخل ساحة تعج بالناس والضحكات تنطلق من كل مكان بجنون .. صوت الموسيقى يملئ القلوب .. لعلها حفلة والمدعون قد حضروا أرواحاً تعانق بعضها بحنان لتدخل وتستمتع بوقتها .. ينظر إلى روحه الأسيرة ويواسيها بأنها لم تجد روحاً اخرى لتشارك الجميع فرحتها .. يغادر المكان وغصة الألم تحرقه .. قد تعود هذا الإحساس فليست المرة الأولى التي يقع فيها بهذا الموقف .. لكن سرعان ما يكلم نفسه ويهدئها بأنه في يوم ما سيكون في موقف أحد هؤلاء الناس وروحاً معه تضم روحه … إلى أن يحين ذاك اليوم ستستمر غصات الألم تقوم بجولاتها عليه لتزيد من عذابه  .

رأفة منه بتلك الروح ورغبة بتجنيبها مزيد من العذاب اليوم .. اكتفى بما تعرض له ويدير وجهه إلى الوراء ليعود للمكان الذي خرج منه ويمضي ليلة و رحلة جديدة مع أفكار العذاب .

وتبقى تتكرر تلك الأحداث بين الحين والآخر فلا تنفع معه معاهدة سلام أو هدنة ما تلبث أن تطفو إلى السطح من جديد بوادر العذاب ..و إلى أن يحين الموعد .. يبقى على انتظار

قبل أن يخرج كان :

موعد مع المجهول …

عن محمد حبش

يمكنك متابعة المدونة أيضاً عبر فايس بوك، تويتر، التغذية، و النشرة البريدية

شاهد أيضاً

المعضلة الأخلاقية للطبقات الوسطى العربية

لا يوجد طريق وسط إن مظاهر العنف التي اجتاحت الشرق الأوسط شتت انتباه العالم من …

2 تعليقان

  1. عندما لا يعلم المرئ .. الى اين سيذهب ؟؟..
    يختفي من عالمه هذا .. ويذهب لعالم اخر .. مجهول ..
    لايعلم .. ما هي حقيقته ..؟؟..
    حينها .. سيخلو بنفسه باحثا عن حقيقة ذلك العالم ..

    كتابة .رائعة ..
    اسلوب رائع ايضا ..

  2. لنرتقي ::

    معك حق .. ولكن عندما لايعلم المرء أين يذهب لايعني هذا انه لايضع هدفا في رأسه ويسعى لأجله انما قد تكون فترة تخبط مرحلية بين هدفين

    اهلا بك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: