موعد مع المجهول …

كان يوم جمعة وكعادة تلك الأيام وما تحمله من ضجر له خطط قبل يوم كامل كيف سيقضي جمعته قبل أن تقضي عليه .. فكر في أن يشاهد فيلماً ولكن سرعان ما تحولت فكرته إلى جحيم بعد ما أن نظر ليعرف ما الفيلم اليوم فتفاجئ إذ أنها المرة الأولى التي لايعرض بها أفلاماً يوم الجمعة بالرغم من أنه توقع فيلماً مملاً و أنه سيجلس وحيداً على كرسي مهترء وعلى يمينه ويساره أشخاص لايعرفهم حتماً لكنهم جاؤوا على شكل جماعات و أزواج .. بعد نكسته الأولى قرر أن يطوف الشوارع والأزقة المظلمة هذه الليلة فإنها متعة كبيرة بالنسبة له … فكر لثانية واحدة … هل من المعقول أن أذهب لوحدي ؟ ثم تبددت غيمة الظن هذه فما الفرق بين مشاهدة فيلم أو مشوار في مشارع مظلم والبرد يلفك وحدك

كان جالساً يتابع أحد نشرات الأخبار المملة ومافائدة سماع أخبار العالم إذا لم يسأل عن أخباره أحد و إن حصل وارتكب أحدهم الجريمة فإنما تكون بغير قصد ومجرد روتين لبداية طلب … لم يصر الجميع على سؤال الآخرين عن أحوالهم طالما انهم متوقعين إجابات معدة مسبقاً وماكان هذا السؤال إلا مقدمة لأمر ما يختبئ خلفه .

أطفئ تلفازه قاطعاً بذلك صوت المذيعة  وهنا تذكر نفسه .. صوته المقطوع في أحسن الأحوال … تلك البحة التي تخرج من صدره إلى الفضاء لتعبر عن صاحبها ولكنها ماتلبث أن تتلاشى في أحضان أول بوق سيارة فارهة تدوسها مسرعة .

حشر نفسه داخل كنزة ضيقة تذكره بحياته وفكر من حوله … حمل رزمة ذكرياته فوضعها في جيبه ثم ارتدى كومة قماش تستر جسد ذاك الكائن العجيب … لم يسرح شعره منذ زمن بعيد فلم يعد أحد يلحظ هذا .. ولكم تشتهى أسنان المشط أن تداعب شعره وتخترقها مصدرة طقطقة غريبة وبعض الشرر .. أيضاً لم يرش العطور أو يبخ قليلاً من علبة البارفان كما يفعلون في الأفلام تحضراً لموعد … قد يكون هذا موعد لكنه مع المجهول … لديه حساسية من الروائح الغريبة التي تنبه خياشيمه بدءاً من دخان السجائر الذي يضايقه كثيراً مروراً برائحة البشر الممزوجة بالكذب والخداع فإنها تسبب له العطاس وصولاً لروائح العطور على إختلاف أشكال القوارير والزجاجات الموضوعة فيها و على اختلاف أسمائها وماركاتها فلا تشكل فرق كبيراً لديه .

تفترش رف خزانة ملابسه بعض تلك الزجاجات ولكنه نادراً ما يستعملها إلا إذا كان راغباً برحلة مع العطاس طوال اليوم فهي مفيدة جداً لأنها تجمع كل مابداخله من مشاعر و أحاسيس متناقضة وتجعلها على كومة من هواء لينفخه في أقل من ثانية إلى الفضاء فيرتعش جسده بالكامل .

ألقى نظرة عابرة في المرآة التي تظهر نصفه فقط فلم يلمح شيئاًَ في البداية و كأن خيال يقف أمامها ثم فرك عينيه قليلاً فتوضحت الصورة و ظهر هيكل نحيل على شاكلة جسد بشري مصفح بالقماش وبرزت في وسط وجهه حفرتان صغيرتان كحبة الفول تبرقان و تنمان عن كثير من الكلام يكتنف قلب صاحبهما لكنه لا يستطيع أن يبوح به بعد .. أقنع نفسه بأن المرآة لا تذكذب و ماظهر عليها إنما صورة حقيقية له ..

رمى معطفه على كتفه واحتوى جسده داخله ثم وضع سلسلة مفاتيحه في جيبه وخرج لمواعدة المجهول …

عن محمد حبش

يمكنك متابعة المدونة أيضاً عبر فايس بوك، تويتر، التغذية، و النشرة البريدية

شاهد أيضاً

المعضلة الأخلاقية للطبقات الوسطى العربية

لا يوجد طريق وسط إن مظاهر العنف التي اجتاحت الشرق الأوسط شتت انتباه العالم من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: